Take a fresh look at your lifestyle.

اللاعنف والتغيير الاجتماعي والثورة

كتب : مارتن امبسون
ترجم : عايدة سيف الدولة


يبحث الكاتب في هذا المقال في نظرية اللاعنف، من خلال جذورها التاريخية وما هو مطروح اليوم، ويناقش مدى أهميتها بالنسبة لأولئك الذين يناضلون من أجل التغيير الاجتماعي وفي السياق الأوسع للنضال من أجل الاشتراكية.

بينما أكتب هذا المقال، تهز ثورة عالمية الطبقات الحاكمة من هونغ كونغ إلى كولومبيا، عبر تشيلي وهايتي وكتالونيا ومصر ولبنان والعراق. صحيح أن حركات الاحتجاج في المملكة المتحدة ليست على مستوى الحركات في البلدان الأخرى،إلا أن الإضرابات المناخية ومظاهرات التمرد ضد الانقراض (Extinction Rebellion XR)  كانت ملهمة، شارك فيها عشرات الآلاف من الناس. لقد امتدت أحداث التمرد ضد الانقراض عبر فترات طويلة، مما تسبب في اضطراب كبير في جميع أنحاء بريطانيا، ولا سيما في لندن.

داخل العديد من هذه الحركات، تدور مناقشات قديمة في ظروف جديدة. تتطرق هذه إلى القضايا التي نوقشت بحرارة داخل الحركات الاجتماعية لسنوات عديدة – دور الشرطة، ومسألة القيادة السياسية والتنظيمية، ودور الطبقة العاملة وما إلى ذلك. لكن قضية بعينها هيمنت على النقاش، وهي قضية اللاعنف.

كان النقاش الدائر حول اللاعنف مفعمًا بالحيوية داخل حركة تمرد ضد الانقراض، ولكنه ليس مقتصرا عليها بأي حال من الأحوال. لقد كان الأمر يتعلق أيضًا بالحركة ضد مشروع تعديل قانون المجرمين الهاربين في هونغ كونغ. في أغسطس 2019، كتب “مينغ مينغ تشيو” (Ming Ming Chiu)، الأكاديمي في جامعة التعليم بهونج كونج، قد يكون “العنف، مثل إصابة أو قتل الناس أكثر قوة. ومع ذلك، فإن اللاعنف، مثل المسيرات أو عرقلة حركة المرور، أكثر نجاحًا”. ويختم قائلا: “المحتجون في هونج كونج أمامهم اختيار. هل سوف تستسلم لغضبك وترتكب أعمال العنف وتفشل على الأرجح؟ أم أنك سوف تلتزم باللاعنف، وتضغط على الحكومة، وعلى الأرجح ستنجح؟ “1

يطرح”تشيو” حجة في الدفاع عن اللاعنف أصبحت واسعة الانتشار:

حتى إذا كانت الحكومة لا تعاقب سوى عدد قليل من الأشخاص من خلال الضرب أو السجن أو الإعدام لردع المقاومة اللاعنفية، فإن ذلك غالباً ما يؤتي بنتائج عكسية ويثير معارضة أكبر. إن ذلك الغضب جراء العنف الحكومي يحول داعميها إلى مراقبين، والمراقبين إلى داعمين ومن ثم يصبح الداعمون متظاهرين.

في المملكة المتحدة، يطرح “روجر هالام” (Roger Hallam)، أحد مؤسسي حركة ضد الانقراض والشخصية الأيديولوجية الرئيسية في الحركة، حجة شبيهة. لقد تم فصل “هالام” فعليا من الحركة بسبب مقابلة أجراها حول إعادة إحياء الهولوكوست، لكن رأيه ما زال هو الموقف الرئيسي لاستراتيجية الحركة. إنه يبدأ من خلال طرح حجة للفعل التخريبي المباشر:

يجب أن نكون واضحين. الحملات التقليدية لا تنجح، مثل إرسال رسائل البريد الإلكتروني، وتقديم الأموال للمنظمات غير الحكومية، والقيام بمسيرات من النقطة ألف إلى النقطة باء. لقد كرس العديد من الأشخاص الرائعين سنوات من حياتهم لهذا كله، ولكن حان الوقت لأن نكون صادقين. لقد فشلت الحملة التقليدية في إحداث التغيير اللازم. زادت الانبعاثات بنسبة 60 في المائة منذ عام 1990 وما زالت مستمرة، حيث ارتفعت بنسبة 2.7 في المائة في عام 2019 وحده.

بالنظر إلى 30 عامًا من الفشل المروع، يبدو السبب واضحا. فالأغنياء والأقوياء يكسبون الكثير من المال من خلال مسار الانتحار الحالي. ولا يمكنك التغلب على هذه القوة الراسخة بالإقناع والمعلومات. يمكنك أن تفعل ذلك فقط عن طريق تعطيلها.

ثم يجادل “هالام” بأن هناك نوعين من التعطيل. الأول هو العنف:

العنف طريقة تقليدية. إنه رائع في جذب الاهتمام وخلق الفوضى والاضطراب، لكنه غالبًا ما يكون كارثيًا عندما يتعلق الأمر بإحداث تغيير تقدمي. العنف يدمر الديمقراطية والعلاقات مع المعارضين التي تعتبر حيوية لتحقيق نتائج سلمية للصراع الاجتماعي. إن العلوم الاجتماعية واضحة تمامًا في هذا الصدد: العنف لا يحسن فرصة تحقيق نتائج ناجحة وتقدمية. واقع الأمر، أنه غالبا ما يؤدي إلى الفاشية والسلطوية. 2

على النقيض من ذلك، كما يقول “هالام” فإن “جميع الدراسات” توضح أن البديل، النوع الثاني من إحداث الاضطراب، اللاعنف، هو الأكثر نجاحًا.

سوف يبحث هذا المقال في نظرية اللاعنف، من خلال جذورها التاريخية وكما هو مطروح اليوم، ويناقش أهميتها بالنسبة لأولئك الذين يناضلون من أجل التغيير الاجتماعي وفي السياق الأوسع للنضال من أجل الاشتراكية. لكن في البداية، يجدر التأكيد على أن الاشتراكيين الثوريين (التيار الذي تنتمى له الكاتب) يشاركون في الكراهية الغريزية للعنف التي تلهم العديد من الناشطين اليوم. الرأسمالية هي نظام عنيف –بداية من انتشار الحروب إلى العنف اليومي الذي ينشأ من الاضطهاد والاستغلال من قلب النظام. إننا نشاطر الرغبة في رؤية نهاية للحرب والعنف والقمع.

نظرية اللاعنف اليوم

بينما يشترك الماركسيون في هذه الكراهية للعنف المنهجي، إلا أننا لا ندافع عن “اللاعنف” كاستراتيجية شاملة داخل الحركات الاجتماعية. كما سأبين، كثيراً ما يقترح منظرو اللاعنف وجود خيار ثنائي بين العنف واللاعنف. لكن الحركات الاجتماعية أكثر تعقيدًا من ذلك. بل أن الطبيعة الدقيقة للعنف هي موضع خلاف. قد يفاجأ النشطاء الذين يرفضون كل أشكال العنف، من موقف أخلاقي مبدئي، مثل رمي الحجارة أو المواجهة الجسدية أو مقاومة الاعتقالات، برؤية بعض منظري اللاعنف الذين لا يعتبرون أن استخدام هذه التكتيكات يستبعد بالضرورة الحركة من أن تصنف على أنها غير عنيفة. المثال الذي يطرح على ذلك بشكل متكرر هو الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي تصنف غالبًا على أنها غير عنيفة على الرغم من أن إلقاء الحجارة كان أحد رموز ذلك النضال. في المقابل، قد تكون الحركات “العنيفة” حركات تنطوي على حرب عصابات أو إرهاب، لكن هذه ليست استراتيجيات يدعمها التراث الماركسي الكلاسيكي. في الواقع، كما سنرى، فإن العديد من الاستراتيجيات غير العنيفة للتغيير – الإضرابات والاعتصامات والامتناع عن الذهاب إلى العمل – هي تلك التي يدعمها الماركسيون لأنها مصممة لإحداث التغيير من خلال إحداث الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي.

يوجد داخل الحركة اليوم تعارض مفتعل بين العنف واللاعنف يحجب الحجج المهمة حول كيفية إحداث التغيير الاجتماعي. بالنسبة للماركسيين، ليست مسألة العنف مسألة أخلاقية – إنها مسألة تكتيكية واستراتيجية تنشأ عن طبيعة النظام الرأسمالي.

اقتبس كل من “هالام” و”تشيو” من أعمال الأكاديميتين إريكا شينويث (Erica Chenoweth) وماريا ستيفان (Maria Stephan)، اللتان درستا الحركات الاجتماعية التاريخية لاستخلاص استنتاجات حول فعالية التكتيك اللاعنفي. غالبًا ما تمت مناقشة كتابهم “لماذا تنجح المقاومة المدنية” (Why Civil Resistance Works ) والاستشهاد به، على الرغم من أن قراءته من خلال تجربتى ليست واسعة. تخلص “شينويث” و”ستيفان” إلى أنه “بين عامي 1900 و2006، كان الأرجح أن تحقق حملات المقاومة اللاعنفية نجاحا كليا أو جزئيا أكثر مما حققته نظيراتها العنيفة”.3

وتضيفان:

من بين 323 حملة من حملات المقاومة المناهضة للنظام، أدى استخدام استراتيجية غير عنيفة إلى زيادة احتمالية النجاح بدرجة كبيرة. من بين الحملات ذات الاحتجاجات الإقليمية، مثل مناهضة الاحتلال أو تقرير المصير، تتمتع الحملات اللاعنفية أيضًا بميزة بسيطة. فمن بين الحالات القليلة من حركات المقاومة الكبرى التي لا تندرج ضمن أي من الفئتين (حملات مناهضة الفصل العنصري، على سبيل المثال)، كانت المقاومة اللاعنفية تحتكر النجاح. الاستثناء الوحيد هو أن المقاومة اللاعنفية تؤدي إلى انسحاب ناجح بمعدل أقل من التمرد العنيف..

تعتمد أعمال “شينويث” و”ستيفان” على مجموع بيانات نتائج الحملات اللاعنفية والعنيفة(NAVCO)، والتي تستخدم في إجراء العديد من الاستنتاجات حول ماهية الحملة اللاعنفية الناجحة. 4

على سبيل المثال، تستنتج الكاتبتان أن الحركات غير العنيفة التي درستاها تضم في المتوسط 200000 عضو، أي أكثر بحوالي 150،000 من متوسط أعضاء حركات النضال العنيف. من بين أكبر 25 حملة، كانت 20 حملة غير عنيفة، ومن بين الحملات اللاعنفية حقق 70 في المائة منها “نجاحات مباشرة”. لكن اثنتان فقط من الحملات العنيفة الخمس كانت ناجحة. 5

ما الذي تعتبره “تشينويث” و”ستيفان” حملة عنيفة؟ الحملتان العنيفتان اللتان تعتبرانهما ناجحتين هما الثورة الصينية بين عامي 1922 و1949 والمقاومة الفيتنامية للولايات المتحدة بين عامي 1958 و1975. أما الحملات العنيفة “الفاشلة” الثلاث الأخرى فهي النضال الصيني ضد الاحتلال الياباني، ومقاومة الاتحاد السوفيتي للاحتلال النازي والمقاومة البولندية للنازيين.

هذه استنتاجات غريبة. أولاً، من الأفضل وصف أغلب هذه الأمثلة على أنها حروب أو أنها حدثت في سياق حرب شاملة. وعلى وجه الخصوص من الغريب اختيار مقاومة النازية في الاتحاد السوفييتي وبولندا كنماذج على حملات ومقارنتها بالثورات مثل ثورة إيران في عام 1979 أو الحركات الجماهيرية ضد الديكتاتورية والحكم العسكري. 

ثانياً، ليس من الواضح ما قد يعنيه نجاح أو فشل هذه الحركات. فنجاح حركات المقاومة ضد القوى المحتلة في الحرب العالمية الثانية لم يقاس بالضرورة من خلال هزيمة الغزاة من عدمها، ولكن (على سبيل المثال) بمدى تقليص قدرتهم على شن حرب على الجبهة. بهذه المعايير كانت المقاومة البولندية، على سبيل المثال، بالتأكيد ناجحة. لقد أشار أحد المؤرخين إلى أنه بحلول عام 1945 كانت المقاومة البولندية أنجزت 25000 عملية تخريب وقتلت 150.000 من الألمان. أما الهزيمة الشهيرة لانتفاضة وارسو عام 1944 فكانت في سياق اعتقاد المقاومة البولندية بأنها ستتمكن من الانضمام إلى الجيش الأحمر فور وصوله الوشيك. بدلاً من ذلك، رفض ستالين أن يأمر قواته بدخول وارسو وسمح بقمع الانتفاضة.6  

سواء كانت هذه “إخفاقات” أو حتى قابلة للمقارنة بالحركات الاجتماعية الأخرى يبقى أمرا مطروحا للنقاش.

بالإضافة إلى هذه المشكلات التي تنشأ عن توصيف الكاتبتين لحركات المقاومة في زمن الحرب، تضطر كل من “تشنوث” و”ستيفان” أن يعترفا بأن هناك عددًا من الأمثلة المضادة لتصورهما العام عن الحملات العنيفة التي تنطوي على أعداد أقل من الأشخاص مقارنة بالحملات غير العنيفة:

تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الحالات الهامة التي لا ينطبق عليها افتراضنا بأن الحملات العنيفة لا تجذب سوى أعدادا محدودة من المشاركين. إذ تتبادر إلى أذهاننا نماذج كبرى لصراعات عنيفة خلقت حالة واسعة من الدعم الجماهيري كاف لأن يُحدث تغييرا ثوريا مثل الثورة الروسية (1917)، والثورة الصينية (1946-1950)، والثورة الجزائرية (1954-62)، والثورة الكوبية (1953-199) والثورة الفيتنامية (1959-75). مثل هذه الحالات تدحض الحجة القائلة بأن الحملات اللاعنفية أقدر على تحفيز المشاركة الجماهيرية عن الحملات العنيفة.7

لكن على الرغم من أن هذه الأحداث قد تكون “غير متطابقة” من منظور قاعدة بياناتها، إلا أنها ذات أهمية تاريخية هائلة، خاصة الثورة الروسية التي شهدت للمرة الأولى في التاريخ انتزاع العمال لسلطة الدولة. إن تجاهل ذلك وغيره من الأحداث الرئيسية مثل الثورة الصينية يسلط الضوء على طموحات الكاتبتين المحدودة فيما يتعلق بالتغيير الاجتماعي.

تتمثل المشكلة الرئيسية في كتاب “تشينويث” و”ستيفان” في تعريفهما “للعنف” و “اللاعنف”. ربما يفترض الكثيرون ممن انضموا إلى احتجاجات حركة ضد الانقراض أن كل أشكال العنف مرفوضة. في الواقع، تتعامل الكاتبتان مع العنف الطبقي من منظور الإرهاب أو حرب العصابات. لكن أي من هذه الاستراتيجيات غير مطروح على محمل الجد كاستراتيجيات بديلة من قبل أي شخص في المملكة المتحدة يطالب بفعل جذري بشأن تغير المناخ. ولا أظن أن أي منها مطروح كبدائل في أي حركات معاصرة أصبح فيها اللاعنف موضوعًا مطروحا للمناقشة الاستراتيجية.

تصف “تشينويث” و”ستيفان” المقاومة العنيفة بأنها:

شكل من أشكال الخلاف السياسي وطريقة لممارسة القوة التي … تعمل خارج القنوات السياسية العادية … نحن مهتمون باستخدام استراتيجيات عنيفة غير تقليدية من قبل جهات فاعلة غير حكومية. يتم عرض هذه الاستراتيجيات في ثلاث فئات رئيسية من الحرب غير التقليدية؛ الثورات والمؤامرات (أو الانقلابات) وحركات التمرد … تشمل التكتيكات العنيفة التفجيرات وإطلاق النار والاختطاف والتخريب المادي، مثل تدمير البنية التحتية، وغيرها من أنواع الأذى المادي للأشخاص والممتلكات.8

في بيانات NAVCO،تستخدم”تشينويث” و”ستيفان” قواعد البيانات السابقة كمصدر للمعلومات الخاصة بالحملات العنيفة، التي تشمل قاعدة بيانات “الأحداث المصاحبة للحرب” عن “الحروب داخل الدولة”، والتي تشترط “ألف قتيل في المعركة” لإدراجها 9

تُظهر أمثلة الحملات غير العنيفة الناجحة أنه من الممكن أن تكون الحركات أكثر عنفًا مما يتصور في كثير من الأحوال ورغم ذلك تصنف على أنها غير عنيفة. العديد من المشاركين في الحركات المعاصرة يرفضون أعمال العنف مثل مقاومة الاعتقال أو إلحاق الضرر بالممتلكات أو الاعتداءات البدنية على المعارضين. لكن القيام بذلك لن يعني بالضرورة، في دراسات “تشينويث” و”ستيفان”، أن الاحتجاجات ستصنف بالضرورة على أنها عنيفة.

تجدر الإشارة إلى أن الكاتبتين تميزان بوضوح بين العنف والقوة. القوة هي إجبار مجموعة واحدة (عادة ما تكون حكومة) على العمل ضد إرادتها، وهو الأمر الذي تحتاجه كل من الحملات اللاعنفية والعنيفة لكي تنجح،في حين أن “أسلوب ممارسة القوة” قد يختلف “عبر أنواع المقاومة المختلفة”.10

لا يعني ذلك الاحتفاء بممارسة العنف أو حتى الدعوة إليه، ولكن فقط الإشارة إلى حدود محاولة فهم الحركات الاجتماعية من خلال المعلومات الموجودة في قواعد البيانات. الواقع، كما تعترف “تشينويث” و”ستيفان”، هو أن الحركات تحتوي في كثير من الأحيان على عناصر من الصراع العنيف وغير العنيف، التي يغذي بعضها البعض، فتلهم أو تكبح جماح الحركة.

ما هو النجاح اللاعنفي؟

في تأريخهم المؤثر عن اللاعنف في كتاب “قوة أكثر تأثيرا” ،يبحث الكاتبان بيتر أكرمان (Peter Ackerman) وجاك دوفال (Jack Duvall) في الحركات الاجتماعية منذ الثورة الروسية عام 1905 إلى سقوط حكومات أوروبا الشرقية عام1989 .11 ويخلصان إلى أن الحركات الاجتماعية الناجحة غير عنيفة لأنها، أكثر من تلك العنيفة، قادرة على إزالة “قدرة خصومهم على السيطرة”. تحتاج مثل هذه الحركات إلى مجموعة متنوعة من التكتيكات وأن تكون قادرة على التكيف والتغيير بحسب استجابة الخصم. وينتهيان إلى أن:

هناك حاجة إلى استراتيجية للعمل … [مع] أهداف قابلة للتحقيق ووحدة الحركة وعقوبات قوية تقوض الخصم. من أجل تحويل زخم النزاع لصالحها، يتعين على الحركة اللاعنفية أن توسع نطاق وتنوع أعمالها الهجومية، وأن تحمي قاعدتها الشعبية ضد القمع، وأن تخترق شرعية خصمها وأن تستغل نقاط ضعفه وتنازلاته. عندما يتحقق كل هذا، يفقد الظالم حتماً الدعم داخل بلده وخارجها، ويمكن زعزعة قدراته على القمع أو الإرهاب. عندما يدرك النظام أنه لم يعد بإمكانه إملاء نتيجة الصراع، ينهار أساس وجوده ومصادر قوته وتصبح نهايته مجرد مسألة وقت. 12

يجادل “أكرمان” و”دوفال”، فضلاً عن “تشينويث” و”ستيفان”، بأن هذه الحركات من المرجح أن تنجح أكثر من الحركات العنيفة لعدة أسباب – فالمشاركة الجماهيرية أسهل، ومن المرجح أن تؤدي إلى انشقاقات في المعارضة، وقوات الدولة أقل استعدادًا لاستخدام العنف في مواجهة المتظاهرين اللاعنفيين.

لكن على الرغم من الاستنتاجات المؤكدة التي توصل إليها المؤلفان، فإن قراءة سريعة للأمثلة التي يقدمونها توضح أن النصر ليس أمرا تلقائيا. أحد الأمثلة الواردة في كتاب “أكرمان” و”دوفال” يتناول حركة الإصلاح في الصين عام 1989، والتي هُزمت في أعقاب مذبحة الطلاب والعمال في ميدان تيانانمن (Tiananmen). وهنا يجادل المؤلفان بأن الفشل في تطوير قيادة سياسية واضحة للحركة هو الذي أدى إلى فشلها.

هناك مشاكل أخرى عندما نفكر في معنى “النجاح” بالنسبة لحركة غير عنيفة. على سبيل المثال، أحد الأمثلة التي يطرحها أولئك الذين يحتفون بالحركات اللاعنفية هو المقاومة الدنماركية للنازيين خلال الحرب العالمية الثانية. يرى”أكرمان” و”دوفال” بأن نجاح هذه المقاومة تمثل في ضمان أن يبقى النازيون “فاقدين لتوازنهم”. من المؤكد أن الشعب الدنماركي حقق انتصارات كبيرة – أهمها هروب جميع السكان اليهود تقريبًا إلى السويد – ولكن على الرغم من سلسلة من الإضرابات الجماهيرية، استمر الاحتلال الألماني حتى نهاية الحرب. ليس هذا تقليلا من شأن شجاعة أولئك الذين قاوموا أو تجاهلا لحجم تحركاتهم ولكن فقط لإدراك بأن “النصر” كان محدودًا.

كذلك يتم الاحتفاء بثورة 1905 في روسيا على أنها نجاح نضال غير عنيف، كما كانت مصدر إلهام للمفكرين مثل “مهندس غاندي” (Mohandas Gandhi). كتب “أكرمان” و”دوفال” أنه في عام 1905، “أشعل [الأب] جابون (Gapon) … حركة جماهيرية على الصعيد الوطني أدت إلى أول برلمان وطني منتخب شعبياً في البلاد”.13 بالنظر إلى الواقع غير الديمقراطي للغاية لدوما القيصر بين عامي 1905 و 1914، كان هذا الانتصار مجوفًا إلى حد ما.

لكن “أكرمان” و”دوفال” يذهبان إلى أبعد من ذلك ويحولان انتقاداتهما إلى هجوم على اليسار الثوري. ويجادلان بأن المكاسب الديمقراطية بعد عام 1905 كانت محدودة، ليس لأن القيصر رفض الاستسلام لمطالب المشاركة الديمقراطية، ولكن لأن اليسار الثوري أصر على استخدام العنف. حيث استخدم النظام القيصري ذريعة العنف لممارسة قمع جماعي “روع السكان وملأ السجون بالراديكاليين”. وفقًا لـ “أكرمان” و”دوفال”، كان هذا خطأ الثوريين الذين قدموا للنظام “نوعا من الخصوم الذين عرف النظام كيف يهزمهم”.14

لكن الواقع كان مختلفا جدا. في رواية “ليون تروتسكي” (Leon Trotsky) لعام 1905، كتب ما يلي:

لا يمكن لأحد أن يؤكد أن الاشتراكيين الديمقراطيين قد عجلوا بالصراع. على النقيض من ذلك، فقد ألغى سوفييت بطرسبرج، في 22 أكتوبر، بمبادرة منهم، الموكب الجنائزي حتى لا يستفز صدام دون أن يحاول أولاً الاستفادة من “النظام الجديد” المشوش والمتردد في العمل التحضيري والتنظيمي الجماهيري الواسع النطاق. عندما بذلت الحكومة محاولتها المتسرعة لإعادة السيطرة على البلاد، وكخطوة أولى، أعلنت الأحكام العرفية في بولندا، حافظ السوفييت على تكتيكات دفاعية بحتة ولم يفعل أي شيء لتنفيذ إضراب نوفمبر ودفعه إلى مرحلة الصراع المفتوح.. وبدلاً من ذلك، حوّل الإضراب إلى حركة احتجاجية.15

يجادل “أكرمان” و”دوفال” بأن تروتسكي ولينين (Lenin) “اعتقدا أن التغيير الحقيقي يتطلب ثورة وأن الثورات عنيفة” وبالتالي أصرا على العنف لأنهما “لم يبصرا” الإمكانات الحقيقية للحركة. لكن الواقع كان أن الثوار في عام 1905 فهموا أن الحركة يجب أن تتطور وأن تقوي من نفسها قبل أي مواجهة نهائية مع الدولة.

أكد “تروتسكي” على أن الحركة لا تستطيع هزيمة الدولة عسكريًا ولكن عليها أن تنظم نفسها بوعي لبناء علاقة بين المحتجين والجيش:

في نهاية الأمر، لا يمكن أن يكون هناك أي نصر عسكري محض من جانب المتمردين على القوات الحكومية. حيث الاخيرة لابد وأن تكون الأقوى من الناحية المادية، ويجب دائمًا تقدير الوضع نسبة إلى مزاج وسلوك القوات. بدون قرابة طبقية بين القوتين على جانبي المتاريس، فإن انتصار الثورة، في ضوء التكنولوجيا العسكرية اليوم، سيكون مستحيلاً بالفعل. لكن من ناحية أخرى، سيكون من الوهم الأكثر خطورة الاعتقاد بأن “عبور الجيش إلى جانب الشعب” يمكن أن يتخذ شكلا سلميا وعفويا.16

من المفارقات أن هذا هو بالضبط ما يقول “أكيرمان” و”دوفال” إنه لم يحدث في عام 1905 ثم يلومان الماركسيين لإصرارهم على الصراع المسلح بدلاً من هذا النهج.17 

بالفعل يبدو أن فهما سطحيا للماركسية يميز كتابات”تشينويث” و”ستيفان” و”أكرمان” و”دوفال”. ذلك أن كل من “تشينويث” و”ستيفان” يربطان ما بين الماركسية بشكل شبه حصري بحروب العصابات أو الجماعات التي تسعى إلى “الثورة المسلحة” كاستراتيجيتها الوحيدة.

ما فهمه “لينين” و”تروتسكي” بوضوح، وتجاهله “أكرمان” و”دوفال” عن عمد، هو أن عام 1905 شهد تطور المؤسسات ذاتها التي يمكن أن تشكل أساسًا لطريقة مختلفة تمامًا في تنظيم المجتمع – مجالس العمال، وخاصة سوفييت بتروجراد الذي ترأسه تروتسكي خلال 1905. ما كان على المحك حينها كان أكثر بكثير من الديمقراطية المحدودة التي سمح القيصر بها في النهاية. بل كانت الحركة الثورية تفتح إمكانية التغيير الجذري.

لذلك فإن رد فعل الدولة الروسية في أعقاب عام 1905 أمر هام. كما أبرز المؤرخ ستيفن سميث (Stephen Smith)، جابت القوى الرجعية البلاد، بدعم من القيصر نيكولاس، بهدف تحطيم التنظيم الثوري. يكتب سميث :

قاتل اتحاد الشعب الروسي، بدعم من نيكولاس، إلى جانب الجماعات شبه العسكرية المعروفة باسم المئات السود، ضد الثوريين في الشوارع ونفذوا مذابح ضد اليهود. لقد كانوا يهدفون إلى استعادة الاستبداد “الحقيقي” والقضاء على كل ما يتعلق بالابتكارات المكروهة التي جاء بها أكتوبر 1905، لكنهم فعلوا ذلك من خلال الأساليب الحديثة للتعبئة الجماهيرية.18

يشير سميث إلى أن بعض الثوار، وليس البلاشفة، شاركوا في “الآلاف من أعمال الإرهاب” بعد عام 1905. في حين أن هذه الأعمال ساعدت في إعطاء السلطات الروسية ذريعة للقمع، إلا أن ما حفز الرجعيين حقًا هو تدمير أي مكاسب من ثورة 1905. فيما بين 1906 و1909 قام رئيس الوزراء الجديد “بيوتر ستوليبين” (Pyotr Stolypin) بمحاكمة وشنق ثلاثة آلاف من الثوريين، وفي نفس الفترة أُغلِقت 350 نقابة عمالية ورُفِض تسجيل 500 نقابة أخرى.19  وسريعا ما تم تقويض المكاسب التي تحققت في عام 1905 مع استعادة القيصر وحكومته للاستقرار.

إن منظري اللاعنف الذين يحتفلون بثورة 1905 كنجاح كبير لا يفسرون لماذا فشلت الحركة في إحداث تغيير دائم أو لماذا تمكنت السلطات من الرد بمثل هذا الانتقام في السنوات التي تلت ذلك.

وبالمثل، يفشل “أكرمان” و”دوفال” في فهم التفاعل الديناميكي بين الأقسام العنيفة وغير العنيفة في الحركة الواحدة. لننظر إلى حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والتي يحتفلون بها باعتبارها نجاحًا للاعنف. في حين أن الإضرابات والامتناع عن الذهاب إلى العمل والمقاطعة كانت أساسية للهزيمة النهائية للدولة العنصرية، إلا أن الاحتجاج العنيف كان له دور رئيسي. استخدمت حركة “رمح الأمة” (أومخونتو ون سيزويUmkhonto we Sizwe)، الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، أعمال عنف مثل التفجيرات التي كانت ذات أهمية رمزية بالنسبة للحركة في جنوب إفريقيا ودوليا. تجدر الإشارة إلى أن لجنة تقصي الحقائق والمصالحة في مرحلة ما بعد الحكم العنصري خلصت إلى أنه “من بين الأطراف الرئيسية الثلاثة في النزاع، فإن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وحده هو الذي التزم بمراعاة مبادئ بروتوكولات جنيف، وبشكل أساسي، إدارة الكفاح المسلح وفقًا للقانون الانساني الدولي”.20  من الرموز العنيفة الأخرى للنضال، كان وضع إطار مطاطي مليء بالبنزين حول صدر الخصم وذراعيه (necklacing)الأمر الذي يدينه “أكرمان” و”دوفال” باعتبارها ممارسة “سادية”، لكنهما يخلصان بعد ذلك إلى:

كان العنف الموجه ضد المتعاونين مع النظام العنصري حتى أن المستشارين والشرطة في بعض البلدات هربوا تمامًا ولجأوا إلى مجمعات مغلقة محاطة بالأسلاك الشائكة. بحلول منتصف عام 1985، تم تعيين مناطق قليلة في بلدات شرق الكايب على أنها مناطق “محظورة”، حيث لم يُسمح للشرطة بدخولها ما لم تكن في قوافل من العربات المدرعة 21.

بالنظر إلى ميل شرطة جنوب إفريقيا لقتل المتظاهرين السود، يجب أن يُعتبر ذلك نجاحا.

حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا

ومن هنا فإن أكبر الانتقادات التي توجه لأمثلة النضالات “الناجحة” غير العنيفة التي استخدمها “تشينويث” و”ستيفان” و”أكرمان” و”دوفال” في كتبهم هي معاييرهم لقياس النجاح. لم تؤد أي من الحركات التي يصفونها إلى نوع من التغيير الاجتماعي الذي يمكن أن يبدأ في معالجة الاضطهاد والاستغلال الأساسيين في قلب المجتمع الرأسمالي. بصراحة، يمكننا أن نحتفل بنجاح الحركات التي أنهت الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وحصلت على الحريات المدنية للسود في الولايات المتحدة، ولكن بعد مرور 25 عامًا على تولي نيلسون مانديلا (Nelson Mandela) منصب الرئاسة، لازال أكثر من نصف سكان جنوب إفريقيا يعيشون تحت خط الفقر –وأصبحت اللامساواة أسوأ مما كانت عليه في عام 1994. في الولايات المتحدة، تظل العنصرية مشكلة حقيقية ومتنامية، على الرغم من انتصارات الستينيات.

بعد التركيز النقدي على كتابات “تشينويث” و”ستيفان” و”أكرمان” و”دوفال”، تجدر الإشارة إلى أنهم توصلوا إلى استنتاجات هامة. من الواضح أنهم يجادلون بأن الحركات الاجتماعية الجماهيرية ستكون أكثر نجاحًا من الحركات التي تفشل في إشراك أعداد كبيرة من الناس. انتهز العديد من النشطاء الاستنتاج الذي توصلت إليه إريكا تشينويث (Erica Chenoweth) بأنه لا يمكن لأي حكومة أن تقاوم حركة تضم 3.5 في المائة أو أكثر من السكان.22 

بالنسبة لبعض الناشطين يعني ذلك مجرد استبدال بناء الحركة بلعبة أرقام، مما يعني إشراك عدد كاف من الأشخاص في الوصول إلى النسبة المئوية المطلوبة من السكان. لكن من الموقع أن يعني ذلك أيضا تخفيض سقف المطالب أو التركيز على محاولة إشراك الناس على يمين الحركة. هذا هو النقاش داخل حركة ضد الانقراض في بريطانيا. يدرك العديد من الناشطين الحاجة إلى وجود حركة جماهيرية، ويدركون التناقضات التي قد يعنيه ذلك. لكن هناك أقلية صغيرة تجادل، على سبيل المثال، بأنه ينبغي التنازل عن الشعارات المناهضة للعنصرية من أجل إشراك اليمين. ومع ذلك، ليس هذا بأي حال من الأحوال موقف الأغلبية ولازال موضع خلاف.

بعض الاستنتاجات الأخرى تستحق تسليط الضوء عليها. أولاً، لاحظت”تشينويث” و”ستيفان” أن الدعوة إلى اللاعنف تجعل من السهل على الناس الانضمام إلى الحركة. المنظمات الإرهابية السرية أو حركات العصابات لديها موانع طبيعية أمام مشاركة الجماهير (حتى لو كانت هذه المشاركة مطلوبة).23

ثانياً، لأنها تؤكد على الحاجة إلى تعطيل النظام، يجب أن تعمل الحركات الاجتماعية بطريقة تزيد من قوتها إلى أقصى حد. وهذا يعني أن “شينويث” و”ستيفان” يركزان بشدة على الإضرابات والامتناع عن الذهاب إلى العمل، وكذلك الإجراءات الأخرى التي “تحشد الجماهير لمعارضة أو دعم سياسات مختلفة، لنزع الشرعية عن الخصوم وإزالة أو تقييد مصادر قوة الخصوم”.24

 وأشارا على وجه الخصوص إلى أهمية الإضرابات والامتناع عن الذهاب إلى العمل في المعركة ضد التمييز العنصري، حيث كانت “الإجراءات الجماعية الضخمة مثل الإضرابات والمقاطعات” قادرة على فرض تكاليف اقتصادية كبيرة على أولئك الذين استفادوا من نظام الفصل العنصري. في هذه النقاط، تقترب الكاتبتان من الفهم الماركسي لكيفية تحقيق الحركات الاجتماعية للتغيير بدرجة أكبر ما قد تعترفان بها.

يشير”هالام” أيضًا إلى قوة الإضرابات، وإن كان بطريقة أكثر تحفظًا، حين يكتب أنه “بدون أي اضطراب لا توجد أي تكلفة اقتصادية، وبدون تكلفة اقتصادية، فإن الرجال الذين يديرون هذا العالم لا يهتمون حقيقة. لذلك فإن الإضرابات العمالية فعالة للغاية ضد الشركات وإغلاق عاصمة تحرك فعال للغاية ضد الحكومات “.25

مرة أخرى، في جميع أمثلة حركات الاحتجاج غير العنيفة تقريبًا، تلاحظ “أكرمان” و”دوفال” أن الإضرابات جزء أساسي من النضال، وتشيران على وجه الخصوص إلى إضرابات العمال البولنديون في أوائل الثمانينيات.

من المُرحّب به أن تلقي الكاتبتان الضوء على أهمية الإضرابات بالنسبة للحركات الناجحة، لكن من المخيب للآمال أن هذه الاستنتاجات نادراً ما تُناقش فيما يتعلق بنسبة الــ “3.5 بالمائة”. من شأن التركيز على دور العمال المنظمين أن يوحي باستراتيجية مختلفة لتحقيق التغيير الاجتماعي.

ما الذي يميز حركة اللاعنف؟

قد يطرح القراء الآن سؤالًا بديهيا إلى حد ما. على وجه التحديد ما الذي يميز حركة اللاعنف؟ كما رأينا، غالبًا ما يتعرض الماركسيون والثوريون للانتقاد من قبل مؤيدي اللاعنف لدفاعهم عن الثورة العنيفة. ومع ذلك، فإن كل النضالات المذكورة أعلاه، والعديد من النضالات الكلاسيكية الأخرى “غير العنيفة”، هي صراعات احتفى بها الاشتراكيون. فقد تناولت هذه المجلة بشكل متكرر اثنين من دراسات الحالة التي أوردتاها “تشينويث” و”ستيفان” – الثورة الإيرانية والانتفاضة الفلسطينية الأولى.

الأمر شبيه بما تطرحه “أكرمان” و”دوفال” تأريخهما للنضال غير العنيف. فلنتأمل كل الحركات التي تصفانها: الثورة الروسية عام 1905؛ حركة الهند من أجل الاستقلال؛ حركة التضامن في بولندا في الثمانينيات؛ مقاومة الاحتلال الفرنسي في إقليم الرور (Ruhr) الألماني (معركة الرور) في عام 1923؛ مقاومة النازيين في الدنمارك وهولندا وداخل ألمانيا؛ الحركة ضد الديكتاتورية العسكرية في السلفادور؛ الاحتجاجات ضد الأنظمة في شيلي والأرجنتين في السبعينيات والثمانينيات؛ حركة الحقوق المدنية الأمريكية؛ حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية في الفلبين؛ الانتفاضة الأولى وحركات 1989 ضد الأنظمة الرأسمالية للدولة في أوروبا الشرقية والحكومة الصينية. الاشتراكيون في تقليد هذه المجلة لن ينتقدوا أو يعارضوا أيًا من هذه النضالات. في الواقع، كلها تستحق الاحتفاء، وكذلك التحليل والمناقشة.

عندما يفحص منظرو اللاعنف نضالات بعينها، ويؤكدون على جوانب منها يعتبرونها “غير عنيفة” ويرفضون تلك التي يعتبرونها “عنيفة”، فإنهم يدرسون ببساطة الحركات الاجتماعية الجماهيرية. ينشأ تركيزهم المستمر على اللاعنف كنموذج متفوق عن مزيج من الرفض الأخلاقي للعنف وصورة كاريكاتورية قاسية للثورة والثوريين. في المقابل، تؤكد الماركسية على دور الطبقة العاملة كعامل للتغيير الاجتماعي في ظل الرأسمالية. تنبثق قوة العمال عن دورهم داخل الرأسمالية، لأن عملهم هو الذي يحافظ على تشغيل النظام. وبالتالي فإن قوة الحركة العمالية ليست مجرد مسألة أرقام أو ما إذا كان العمال مستعدين لاستخدام العنف أم لا.

في بعض الحالات، يكون رفض الثورة نتيجة لمعارضة التغيير الاجتماعي الجذري. في حالات أخرى، يعكس قلقا بشأن تخفيف النضال من خلال مواءمته مع نوع معين من السياسة. حين كتبت في أواخر الستينيات عن الصراع الطلابي في الولايات المتحدة، تمكنت هانا أرندت (Hannah Arendt) من الجمع بين هذين المخوفين:

إن ما يهدد الحركة الطلابية، وهي مجموعة العصيان المدني الرئيسية في الوقت الحالي، ليس فقط التخريب والعنف والمزاج السيئ والأخلاق الأسوأ، بل العدوى المتزايدة للحركة بالإيديولوجيات (الماوية، والكاستروية، والستالينية، والماركسية اللينينية، و ما شابه ذلك)، الذي في الواقع يقسم ويضعف الجموع. 26

بالنسبة لبعض دعاة “اللاعنف” اليوم، فإن “تجاوز السياسة”، الذي تراه حركة مناهضة الانقراض أمرا ضروريا، يعكس الرغبة في بناء حركة واسعة النطاق. لكن يمكنه أيضا أن يكون وسيلة لتجنب التغيير الجذري.

سياسات اللاعنف

ترتبط نظرية وممارسة اللاعنف ارتباطًا وثيقًا بغاندي، الذي يمكن استشعار تأثيره من خلال العديد من الحركات الاجتماعية في القرنين العشرين والواحد والعشرين. في دراستها الأخيرة لسياسة غاندي للعصيان المدني، تكشف “طلعت أحمد” (Talat Ahmed) كيف نشأت استراتيجيته عن ارتباطه ولاحقا قيادته للحركات المطالبة بحقوق الهنود في جنوب إفريقيا. في عام 1905، تأثر غاندي بشدة بالثورة في روسيا، وكتب أن “العمال الروس وجميع العاملين بأجر الآخرين أعلنوا إضرابًا عامًا وتوقفوا عن العمل … ليس في قدرة القيصر الروسي نفسه إجبار المضربين على العودة بصدورهم إلى رأس الحربة “.27

أثناء دراسته في لندن، تأثر “غاندي” بأفكار المفكر الأمريكي “هنري ديفيد ثورو” (Henry David Thoreau)، بل وترجم أجزاء من مقال “ثورو” عن العصيان المدني. كذلك استلهم”غاندي” من كتابات “ليو تولستوي” (Leo Tolstoy)، الكاتب الروسي والمسيحي الرافض للحرب الذي “تباكى من التصنيع واسع النطاق والعنف الذي اعتقد أنه صاحب هذا التطور” .28  

تشرح “أحمد” كيف استخدم “غاندي” كتاب “تولستوي” “مملكة الله داخلك” (The Kingdom of God is Within You ) وحوله إلى نص أساسي من أجل “تحدي القمع والاستغلال الاقتصادي”.

وكان التأثير الرئيسي الأخير لــ”جون روسكين” (John Ruskin) بعنوان “حتى هذا الأخير” (Unto This Last)، والذي قام “غاندي” بترجمته أيضًا. استلهم”غاندي” من “روسكين” فكرة أن “مصلحة الفرد متضمنة في مصلحة الجميع … وأن عمل المحامي له نفس قيمة عمل الحلاق … وأن حياة العمل، أي حياة من يحرث التربة وحياة الحرفي كلاهما تستحقان الحياة.” وقال غاندي إنه “يستيقظ مع الفجر، جاهزا لتطبيق هذه المبادئ في الممارسة”.29

تلخص “أحمد” مفهوم “غاندي” عن الساتياجراها (المقاومة السلبية) (satyagraha)، وهو المصطلح الذي صاغه لتلخيص نظريته في النضال اللاعنفي:

بالنسبة إلى “غاندي”، تجاوزت ساتياغراها مجرد المقاومة السلبية وأصبحت ذات تأثير في ممارسة الأساليب غير العنيفة. بالنسبة له، “السعي وراء الحقيقة لا يعترف بممارسةالعنف على الخصم، ولكن يجب فطام الخصم عن الخطأ عن طريق الصبر والتعاطف … والصبر يعني معاناة الذات”. الوظيفة الرئيسية للساتياغراها هي عدم إحداث الإصابة بالعدو بأي شكل من الأشكال. إنه مناشدة للعدو إما عن طريق العقل أو باستخدام حجة عقلانية لطيفة. إنه شيء يشبه التضحية بالنفس … يشدد على الشفقة والحنان والرحمة، ولكنه يستلزم استخدام الضغط المعنوي في حالات النزاع.30

ساعد التزام “غاندي” الأخلاقي الصارم في بناء حركة ضمت مئات الآلاف من الهنود العاديين في عصيان مدني جماعي هز الحكم البريطاني. لقد تجاوز نضاله المبدئي الحواجز التقليدية في المجتمع الهندي، مثل إصراره على القتال من أجل حقوق مجتمع الداليت (Dalit)، الطبقة المعروفة باسم “المنبوذين” (untouchables). ساعد إصرار غاندي على الوحدة بين المجتمعات الدينية في بناء حركته الجماهيرية.

لكن إصرار غاندي على تجنب العنف، وخوفه من الصراع الطبقي الأوسع من الأسفل، تسبب في أنه عند نقاط حاسمة من الصراع، تبرأ أو أعاق أولئك الذين كانوا يتخطون الحدود الضيقة لساتياغراها. في عام 1922، وقع حدث معروف باسم حادثة تشوري شورا (Chauri Chaura) عندما فتحت الشرطة المسلحة النار على المتظاهرين الذين انتقموا بإحراق مركز للشرطة. قُتل ثلاثة مدنيين و 22 من رجال الشرطة. نتيجة لذلك، ألغى “غاندي” حركة عدم التعاون الوطنية [مع بريطانيا] التي كانت قائمة في ذلك الوقت. وبالمثل، في فبراير 1946، اندلع إضراب قوي قوامه 300000 في بومباي لدعم تمرد جماعي في البحرية الهندية الملكية شارك فيه 20 ألف بحار. شهدت هذه الأحداث وحدة غير مسبوقة بين الطوائف، لكن غاندي أدان الإضراب ووصفه بأنه “طائش وجاهل”.31 

تكتب”أحمد”:

كان “غاندي” يكره العنف، خاصة إذا لجأ إليه الناس العاديون، وبالتأكيد إذا كان جزءًا من صراع طبقي ضد الاستغلال والقمع – أجنبيا كان أو محلي، سواء كان ذلك في جنوب إفريقيا، أو شورى شورا، أو تمرد مابوليولا (Mappiula) أوحركة “غادروا الهند” أوالتمرد البحري. في كل مناسبة، ألقى “غاندي” المحاضرات على الناس العاديين، المهمشين، لعدم فهمهم لمبادئ استراتيجيته الساتياجراها. وفي كل مناسبة، كان أولئك الذين يمارسون السلطة ويحتكرون العنف لدعم السلطة الكاملة للدولة دون أي اعتبار للمقاومة السلبية،كان تم إعفاؤهم بطريقة ما من المسؤولية.

وخلصت إلى أن: “من خلال التعامل مع العنف واللاعنف باعتبارهما تعاليم أخلاقية مجردة، ترك “غاندي” فعليًا جموع الناس دون قدرة على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة وحشية وعنف الدولة الاستعمارية”.32

تجادل “أحمد” بأن الحركات الجماهيرية، ولكن ليس تلك التي يقودها غاندي، هي التي أخرجت بريطانيا من الهند في النهاية. إنها تقتبس من كليمنت أتلي (Clement Attlee) حين تقول إن “السبب الرئيسي” لقرار البريطانيين مغادرة الهند هو “تآكل الولاء للتاج البريطاني بين الجيش والبحرية الهندية” الناجم عن الحركات الأكثر جذرية.33

في نهاية المطاف تم التفاوض على استقلال الهند، مثلما حدث مع نهاية النظام العنصري في جنوب إفريقيا، بين الجانبين المتعارضين. لكن التفاوض لا يعني اللاعنف. إن شعار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي بأن “اجعلوا جنوب إفريقيا غير قابلة للحكم” يوازيه التجذر المتزايد للنضال في الهند، والذي لخصه أحد المؤرخين الهنود في أن البريطانيين “لم يعد بإمكانهم الاعتماد على ولاء الجنود الهنود للحفاظ على سلطتهم”.34

تأثر زعيم حركة الحقوق المدنية الأمريكية “مارتن لوثر كينج جونيور” (Martin Luther King Jnr) بشدة بفكر “غاندي”. في عام 1959، زار “كينج” الهند، وهي رحلة تركت انطباعًا عميقًا عليه، حيث عاد “أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن المقاومة اللاعنفية هي أقوى سلاح متاح للناس المضطهدين في نضالهم من أجل الحرية” .35

مثل “غاندي”، تمكن “كينج” من بناء حركة جماهيرية غير عنيفة تضم مئات الآلاف. لم يكن “كينغ” الوحيد الذي ينادي بهذه الاستراتيجية. العديد من الشخصيات الرئيسية الأخرى في الحركة، مثل القس “جيمس لوسون” (James Lawson)، تبنوا هذا الخط وبنوا حركات قوية حوله. تأثر”لوسون”، مثل “كينج”، بــ”غاندي”،وقدم تدريبًا على اللاعنف. في فبراير 1960، بدأ الطلاب الذين تدربوا في ورش العمل الخاصة باللاعنف مع “لوسون” بتنظيم اعتصامات لمقاومة العنف وأدت في النهاية إلى إلغاء التمييز على موائد الغداء في متاجر ناشفيل الكبرى مثل متجر وولورثز (Woolworths).36.

تجدر الإشارة إلى أن استراتيجية “كينج” كانت تعتمد على المقاومة الجماهيرية غير العنيفة، بممارسة الضغوط الأخلاقية والسياسية على الحكومة الفيدرالية في واشنطن. كان هذا يعني الاعتماد على استخدام واشنطن للقوة المنظمة – الجنرالات الأمريكيون، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وفي النهاية الجيش – من أجل إجبار الولايات الجنوبية على احترام القانون الفيدرالي. لم يستخدم شعب “كينج” العنف، لكنهم اعتمدوا على أشخاص فعلوا ذلك. عندما شعرت واشنطن بأنها وصلت إلى حدود ما كانت مستعدة للقيام به من أجل مساعدة قضية “كينغ”، تعطلت حركة الحقوق المدنية. أما الانتصارات التالية فلم تحدث نتيجة اللاعنف، ولكن بسبب تداعيات موجات التمرد الحضرية التي بدأت عام 1964.

كان “كينج” مفكرا معقدا. نشأت نظريته عن اللاعنف من النضال والتفاعل مع مفكرين آخرين. يصف مقاله “الحج إلى اللاعنف” (Pilgrimage to Non-violence) عام 1960 كيف انفصل عن “اللاهوت الليبرالي” بعد إدراكه “تعقيد الوضع الاجتماعي للإنسان والواقع الصارخ للشر الجماعي”.37   

كان “كينج” واسع الاطلاع  بما في ذلك أعمال “سورين كيركيجارد” (Søren Kierkegaard) و”فريدريش نيتشه” (Friedrich Nietzsche) مما أدى به إلى كتابات الوجوديين. من هؤلاء، وغيرهم من المفكرين، كان قادرًا على القول بأنه “على الرغم من أن الإجابة المسيحية النهائية غير موجودة في أي من هذه النظريات الوجودية، إلا أن هناك الكثير هنا مما يمكن أن يستخدمه اللاهوتي لوصف الحالة الحقيقية لوجود الإنسان”.

ومع ذلك، فإن أفكار “كينج” كانت متجذرة أيضا في الواقع الملموس:

لقد نشأت أكره الفصل العنصري، معتبرا أنه لا يمكن تفسيره بعقلانية وغير مبرر أخلاقياً. لم أتمكن أبدًا من قبول واقع الاضطرار للذهاب إلى الجزء الخلفي من الحافلة أو الجلوس في القسم المنفصل من القطار. المرة الأولى التي أُجلِست فيها خلف ستار في عربة المطعم شعرت وكأن ستار قد أُسدِل على ذاتي. لقد تعلمت أيضًا أن التوأم الذي لا ينفصل عن الظلم العنصري هو الظلم الاقتصادي. رأيت كيف انتهى نظام الفصل العنصري إلى استغلال الزنوج وكذلك البيض الفقراء. من خلال تلك التجارب المبكرة، نشأت بوعي عميق بأنواع الظلم في مجتمعنا.38

لكن “غاندي” كان هو الشخصية المحورية في تطور أفكار “كينغ”: “رأيت لأول مرة كيف أن عقيدة الحب المسيحية الفاعلة من خلال سياسة غاندي في اللاعنف كانت واحدة من أقوى الأسلحة المتاحة للناس المضطهدين في نضالهم من أجل الحرية. بالنسبة “لكينج”، مثل “غاندي”، كان اللاعنف في المقام الأول بمثابة قوة معنوية للتأثير في المظلومين وإلهامهم في اتجاه الفعل:

إن نهج اللاعنف لا يؤدي فورا على تغيير قلب الظالم. بل يؤثر بداية في قلوب وأرواح الملتزمين به. إنه يمنحهم احترامًا جديدًا لذواتهم؛ إنه يستدعي موارد القوة والشجاعة التي لم يكونوا يدركون أنهم يمتلكونها. أخيرًا، يصل إلى الخصم ويثير ضميره بحيث تصبح المصالحة واقعا.39

ومع ذلك، لم يدن كينج ببساطة عنف المظلومين، على الرغم من أنه لم يعتقد أنه يمكن أن يكون ناجحًا. في عام 1966، في خضم أعمال الشغب (التي قال إنها كانت نتيجة قيام الشرطة العنصرية “بتجنيد” مجتمعات السود)، ونمو الحركة القومية السوداء – الداعية إلى صراع أكثر مواجهة، قال “كينج”: “إن هذه الانفجارات العنيفة غير مخطط لها. إنها نوبات غضب لا يمكن السيطرة عليها، ناجمة عن الفقر والإهمال والقمع والاستغلال الذي طال إهماله. العنف كاستراتيجية للتغيير الاجتماعي في أمريكا غير موجود. كل الصوت العالي والغضب هو ليس إلا نتيجة موقف الجبناء الذين لا يؤدي حديثهم الجريء إلى أي فعل ولا يدل على شيء”.40   ورغم انتقاده، إلا انه لم يدين مثيري الشغب.

في مقاله عام 1959 بعنوان “التنظيم الاجتماعي للاعنف” (The Social Organisation of Non-violence)، قال “كينج” إن هناك ثلاث “آراء” عن العنف. من المفيد أن ننظر إلى ما قال في هذا الشأن:

أحدهما هو نهج اللاعنف الخالص، الذي لا يمكن بسهولة أو بسرعة أن يجذب الجماهير الواسعة، لأنه يتطلب انضباطًا وشجاعة استثنائيين. والثاني هو العنف الذي يمارس في حالة الدفاع عن النفس، والذي تقبله جميع المجتمعات، من الأكثر بدائية إلى الأكثر تحضرا وحضارة، باعتباره أخلاقيا وقانونيا. لم يحدث أبدا أن أدين مبدأ الدفاع عن النفس، حتى فيما يتعلق بالأسلحة وسفك الدماء، حتى من قبل “غاندي”، الذي سمح به لأولئك من غير القادرين على إتقان اللاعنف الخالص. والنوع الثالث هو الدعوة للعنف كأداة للتقدم، عنف منظم كما في الحرب، عمدا وعن وعي.41

جدير بالذكر أن “كينج” لا يدين الدفاع عن النفس ويصفه بأنه “أخلاقي وقانوني”. لكنه يجادل أيضًا بأن الدفاع عن النفس يمكن أن يمثل قيدًا، حيث كتب في عام 1966: “الخط الفاصل بين العنف الدفاعي والعنف العدواني أو الانتقامي هو خط دقيق بالفعل. عندما يتم التسامح مع العنف حتى كوسيلة للدفاع عن النفس، هناك خطورة من أن يضيع النضال الأساسي في خضم فورة عاطفية حول مسألة الدفاع عن النفس”.42  بالتالي فإن استخدام العنف في الدفاع عن النفس هو أمر أخلاقي، ولكن في بعض الاوقات يجب تجنبه حرصا على مصالح تكتيكية أوسع.

مع ذلك، ليس عنف المضطهِدِين والمضطهَدين شيئا واحدا كما لاحظ منشورلاهوتي لاحق. في عام 1985، وقع 150 من الزعماء الدينيين في جنوب إفريقيا إعلان كايروس (Kairos)، وهو تعليق لاهوتي على الوضع في البلاد، حيث ورد فيه:

ولكن هل من المشروع، خاصة في ظروفنا، استخدام نفس كلمة العنف في إدانة شاملة تغطي الممارسات القاسية والقمعية للدولة وكذلك محاولات الشعب اليائسة للدفاع عن نفسه؟ ألا تؤدي هذه التجريدات والتعميمات إلى ارتباك المسألة؟ كيف يمكن مساواة أعمال القمع والظلم والهيمنة بأعمال المقاومة والدفاع عن النفس؟

وقد وجد المؤلفون إجابات على معضلتهم في الكتاب المقدس:

في جميع أجزاء الكتاب المقدس، تُستخدم كلمة العنف لوصف كل ما يقوم به الظالم الشرير … عندما يقول يسوع أنه يجب علينا أن ندير الخد الآخر، يخبرنا أنه يجب علينا ألا ننتقم؛ إنه لا يقول إننا لا يجب أن ندافع عن أنفسنا أو عن الآخرين. هناك تراث مسيحي طويل وثابت حول استخدام القوة البدنية للدفاع عن النفس ضد المعتدين والطغاة. بمعنى آخر، هناك ظروف يمكن فيها استخدام القوة البدنية 43

إذن، حتى بين النصوص المسيحية هناك آراء متناقضة حول مسألة العنف والدفاع عن النفس.

هل هناك مبرر للعنف على الإطلاق؟

يتضح من هذه المراجعة الموجزة أن هناك تفاهمات متناقضة حول ماهية الحركات العنيفة وغير العنيفة، وما الذي يمكن أن تحققه. ماذا يطرح التراث الماركسي؟

الرأسمالية هي نظام اقتصادي قائم على اضطهاد واستغلال جماهير السكان من قبل أقلية صغيرة، حيث يؤدي نظام التراكم التنافسي، في بعض الأحيان، إلى عنف هائل. في أكثر أشكاله وضوحا يحدث ذلك عندما تخوض الدول الحروب. ولكنه موجود أيضًا في الواقع اليومي للنظام، وهو نظام يتضور فيه الناس جوعًا وسط الوفرة، حيث يؤدي التشرد والجوع وعدم الحصول على الرعاية الصحية أو مياه الشرب أو الطعام إلى الوفيات المبكرة للملايين. أولئك من الطبقة الحاكمة الذين يدينون عنف المتظاهرين يتجاهلون الواقع العنيف لنظامهم.

لحماية هذا النظام، تنتظم الدولة للدفاع عن الوضع القائم وعرقلة كل من يتحدى أولوياتها. يشرح “فريدريك إنجلز” (Friedrich Engels) دور الدولة:

إنها نتاج المجتمع في مرحلة معينة من التطور؛ إنها الاعتراف بأن هذا المجتمع قد تورط في تناقض ذاتي غير قابل للحل وهو مشدود إلى تناقضات لا يمكن التوفيق بينها ويعجز عن التخلص منها. ولكن لكي لا تستهلك هذه الخصومات، الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتضاربة، نفسها والمجتمع في صراع عديم الجدوى، تصبح هناك ضرورة لسلطة تبدو أنها تقف فوق المجتمع لتخفيف حدة النزاع وإبقائه ضمن حدود “النظام”؛ وهذه السلطة، المنبثقة عن المجتمع، ولكنها تضع نفسها فوقه وتغترب عنه بشكل متزايد، هي الدولة 44

تتكون الدولة من مؤسسات وقوانين، ولكن قبل كل شيء، تتألف مما أطلق عليه لينين “هيئات خاصة من رجال مسلحين” يبدو أنها موجودة فوق المجتمع ولكنها أنشئت في الواقع لحماية النظام الحالي. تُستخدم هذه القوات – الشرطة، والجنود، والسجون، والقوانين،وقضاة التحقيق، والقضاة والمحاكم – ضد أولئك الذين يريدون الاحتجاج على جانب أو آخر من جوانب النظام أو وجوده ذاته. إنها ضرورية لأن الطبقة الحاكمة الرأسمالية تمثل أقلية داخل المجتمع، وأحد الطرق التي يمكنها بها الاستمرار في حكمها هو التهديد بالعنف أو استخدامه. ليس من المستغرب أن يلجأ العديد من النشطاء، في مواجهة هذا العنف، إلى اللاعنف لأسباب مبدئية.

في عام 1977، واجه الاشتراكيون والمعادون للعنصرية والشباب السود الجبهة الوطنية النازية أثناء محاولتهم السير عبر لويشام (Lewisham) في جنوب لندن، وهو استفزاز متعمد ضد مجتمع السود المحلي. فاق عدد المناهضين للعنصرية عدد الفاشيين بحوالي 5000 إلى 400. بعد أن ألقى النازيون بالزجاجات والحجارة وغيرها من المقذوفات، اقتحم المناهضون للعنصرية خطوط الشرطة وقسموا مسيرة الجبهة الوطنية إلى قسمين. ونتيجة لذلك، اضطرت الجبهة الوطنية إلى تنظيم مسيرة قصيرة في موقف للسيارات مهجور بعد أن رافقتهم الشرطة عبر الشوارع الخلفية. على الرغم من هذا النصر، هاجمت الصحافة والسياسيون في ذلك الوقت عنف المناهضين للعنصرية.

في دفاع عن التعبئة المناهضة للفاشية، كتب “أليكس كالينيكوس” (Alex Callinicos) و”ألاستير هاتشيت” (Alastair Hatchett):

ليس العنف بالأمر الجديد في تاريخ الطبقة العاملة البريطانية. كثيراً ما أثارت محاولات العمال للتنظيم والنضال الانتقام العنيف من قبل الطبقة الحاكمة. في بعض الأحيان كان العمال يردون الهجوم. لقد كان أداء المناهضين للفاشية في لويشام جزءًا من تراث الطويل. 45

يصف مقالهم سلسلة من النضالات التاريخية “العنيفة” للطبقة العاملة البريطانية:

كانت “فورات الغضب” المزعومة هذه جزءًا من التمردات الشاملة التي قام بها العمال ضد ظروفهم المعيشية. اندلعت هذه التمردات لأن السبل العادية التي يتم من خلالها احتواء تطلعات الطبقة العاملة في ظل الديمقراطية البرجوازية – النقابات العمالية، والأحزاب السياسية الإصلاحية – بدت مغلقة … الفعل المباشر الذي اتخذه هؤلاء العمال بشأن مطالب أولية –مثل زيادة الأجور، المزيد من فرص العمل، معاداة العنصرية — أدت إلى استخدام العنف، سواء في شكل منظم مثل الاعتصامات الجماعية والمظاهرات المضادة ضد الفاشيين، أو بشكل عفوي، مثل النهب أو الهجمات الفردية على كاسري الإضراب. كلا النوعين من العنف يعكس تمرد العمال ضد العنف والاستغلال اليومي الذي عانوا منه، بدءا من مخاطر انعدام السلامة المهنية المروع الذي يواجه عمال المناجم الذين يعملون تحت الأرض، إلى هجمات الشرطة على مسيرات العاطلين عن العمل في الثلاثينيات. حيث انفجر الإحباط الذي تراكم تحت السطح لسنوات عديدة. في كل حالة، أثارت الثورات الجماهيرية التي وصفناها عنفًا أكبر بكثير من جانب قوات الدولة. إنعنف ثورات العمال يتلاشى حجمها عند مقارنتها بالقوة المسلحة التي يستخدمها الرأسماليون لسحقهم.46

بالنظر إلى صعود أقصى اليمين اليوم،يطرح “كالينيكوس” و”هاتشيت” أمرا شديد الأهمية وهو أن “مزيجا من الكفاح البدني لطرد الفاشيين من الشوارع، وقيادة طبقية للاشتراكيين في نضال عملي ضد الظروف التي تولدالفاشية، وحدهما يمكن أن يوقف النازيين اليوم. “لقد ركز قادة الجبهة الوطنية (NF) تركيزًا كبيرًا على المسيرات كوسيلة لبث الثقة في أتباعهم واجتذاب أعضاء جدد. إن وقف مسيراتهم يعني مواجهتهم جسديا.

لكن “كالينيكوس” و”هاتشيت” لا يبجلان العنف. بل يرون أنه تكتيك محدد لتحقيق نتيجة معينة. يتضح ذلك في سياق منع مسيرات النازيين، ولكنه قد ينطبق أيضًا على نضالات أخرى – على سبيل المثال، عندما تشكل مجموعة من العمال المضربين خط الاعتصام. في السنوات الأخيرة، أصبحت خطوط الاعتصام في بريطانيا بمثابة إعلان سلبي رسمي عن الفعل الصناعي. لكن قوتها الحقيقية تكمن في منعها الجسدي لكاسري الإضراب. إن مجرد المجادلة مع الأفراد لإقناعهم بعدم الدخول إلى مكان العمل قد لا يكون كافيًا – فقد يكون منعهم من استخدام الآلات أو تشغيل أجهزة الكمبيوتر أو الرد على الهواتف جوهريا لكسب النزاع. في هذه الحالة، يمكن أن تصبح مواجهة خطوط الاعتصام سريعا مسألة جوهرية للمضربين وهم يواجهون البلطجية والشرطة التي أُرسلت لحمايتهم.

ماذا يجب أن يطرح النشطاء في هذا المثال؟ مناشدات اللاعنف الأخلاقية لن تُنجح الإضراب، ولا الدعوة إلى عنف أوسع أو أكثر تنظيما. بدلاً من ذلك، يتمثل الحل في الجمع بين التعبئة الجماهيرية والمواجهة الجسدية. إن ألف عامل يسدون بوابة سيجعل من الصعب على رجال الشرطة أن ينقلوا البلطجية – حتى لو كانت مقاومة ذلك قد تؤدي إلى العنف.

مثل هذه المواجهات بين العمال والبلطجية ليست شائعة في الوقت الحالي في بريطانيا.47  ولكن من السهل تخيل موقف يتم فيه اعتقال المحتجين من قبل الشرطة، على سبيل المثال كجزء من إضراب مناخي، ويريد المتظاهرون منع اعتقالهم. . هنا تصبح مسألة “العنف” مسألة ملموسة.

التغيير الثوري

أحد التحديات التي تواجه مجموعات مثل حركة ضد الانقراض هو كيفية الحصول على التغيير المطلوب بشدة. توفر الأزمة البيئية تحديات فريدة للحركة. كما يوحي شعار “تغيير النظام وليس تغير المناخ”، فإن التدمير البيئي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بطبيعة النظام الرأسمالي.

يطرح”أندرياس مالم” (Andreas Malm) في كتابه “رأس المال الحفري” (Fossil Capital)، أن الرأسمالية تطورت تاريخيا باستخدام الوقود الأحفوري كركيزة لها. يرتبط النظام الآن بشكل لا مفر منه بالشركات متعددة الجنسيات العاملة بالوقود الأحفوري التي أنفقت مليارات الدولارات في محاولة لمنع أي تغييرات تحد من قدرتها على جني الأرباح من استخراج الفحم والنفط والغاز. إن خلق عالم قابل للاستدامة يعني كسر قوة تلك الشركات متعددة الجنسيات. لكن هذا لن يكون كافيا. ذلك أن الرأسمالية تؤدي إلى تدهور العالم الطبيعي وتدميره بشكل منهجي بهدف مراكمة الثروة. وبالتالي فإن الكفاح من أجل مستقبل مستدام هو أيضًا كفاح للتخلص من الرأسمالية. ينظر الاشتراكيون في هذا الشأن إلى الطبقة العاملة كعامل للتغيير –فهي القوة التي تجمع بين القدرة على إيقاف دوران عجلة الرأسمالية مع إمكانية إنشاء مجتمع جديد قائم على الديمقراطية التشاركية الجماهيرية من الأسفل.

هذا يعني، كما تكتشف كل الحركات الثورية، مواجهة مع الدولة. في تلك المواجهة، سوف يستخدم الرأسماليون كل ما لديهم من قوة ووسائل للعنف لمنع التغيير. بالنسبة للمعارضين للرأسماليين، يعني الفوز استخدام أساليب التعبئة الجماهيرية لتقويض سلطة الطبقة الحاكمة وقدرتها على شن أعمال عنف ضد خصومها.

وكما أوضحت”تشينوويث” و”ستيفان”، فإن الاحتجاجات الجماهيرية والعصيان المدني، والأهم من ذلك، النضال الصناعي تشكل تكتيكات أساسية في تقويض قدرة الحكومة أو الدولة على التنظيم. لكن في مرحلة معينة، سيتعين على الطبقة العاملة أن تحل محل الرأسماليين وأن تحطم الدولة القائمة. كما كتب “لينين” في كتابه “الدولة والثورة”، إن “استبدال الدولة البرجوازية بالدولة البروليتارية أمر مستحيل دون ثورة عنيفة”.48 

“يقتبس “لينين” من “إنجلز”:

تلعب هذه القوة دورًا آخر في التاريخ [بخلاف كونها مرتكب الشر]، أي دور ثوري؛ إنها، على حد تعبير ماركس، القابلة لكل مجتمع قديم عندما يحمل في مجتمع جديد؛ إنها الآداة التي تفتح بها الحركة الاجتماعية طريقها وتحطم الأشكال السياسية الميتة والمتحجرة.49

ستكون لحظة الاستيلاء الثوري على السلطة، كما يطرح “إنجلز”:

بالتأكيد الشيء الأكثر سلطوية؛ إنه الفعل الذي يفرض فيه جزء من السكان إرادته على الجزء الآخر عن طريق البنادق والحراب والمدافع، أي وسائل سلطوية للغاية. والحزب المنتصر سوف يضطر للحفاظ على حكمه عن طريق الخوف الذي يبثه سلاحه في الرجعيين.50

بالنسبة للماركسيين، فإن الثورة العمالية هي ثورة تستولى بها غالبية السكان على السلطة لصالح الأغلبية،وتدافع عن الدولة الجديدة ضد قوى الثورة المضادة من داخل الدولة العمالية الجديدة وخارجها. سيكون المنعطف الحاسم في هذه العملية عندما تكون الحركة العمالية ذاتية التنظيم قادرة على الاستيلاء على السلطة. إن نجاح هذا الأمر يعتمد على ما إذا كانت الحركة قد مهدت الأرض – من خلال تقسيم وكسر القوات التي تستخدمها الطبقة الحاكمة لحماية نفسها – وبشكل رئيسي القوات المسلحة. إن الوصول إلى هذه النقطة يتطلب الإعداد، وسيشمل ذلك على الأرجح استخدام العنف للدفاع عن منظمات الحركة الثورية والأفراد والمواقع ذات الأهمية السياسية والاقتصادية ضد التهديدات الرجعية.

كل هذه العناصر كانت واضحة فيما يُعتبر، بالنسبة للماركسيين، النقطة التاريخية العليا للنضال الطبقي –أي الثورة الروسية في عام 1917.51  عندما استولت مجالس العمال والجنود على السلطة في أكتوبر 1917 بعد عام من النضال، فتح ذلك المجال للقدرة على طريقة مختلفة اختلافًا جذريًا في تنظيم المجتمع. لكن بالنسبة لمعظم منظري اللاعنف، كان عام 1917 ناجحًا فقط بسبب الأساليب العنيفة للأقلية.

“تشينوويث” و”ستيفان” تذهبان إلى أبعد من ذلك. إنهما تجادلان بأن فشل الثورة الروسية هو مثال على “الحكمة التقليدية المتمثلة في أن التمردات العنيفة الناجحة ستؤدي إلى توقف التنمية الاقتصادية والسياسية بسبب الحرب الأهلية المتكررة”.52 ولا تذكران هنا نجاح الثورة الروسية في إنهاء مذابح الحرب العالمية الأولى. لكن فكرة أن روسيا دخلت في “حرب أهلية مطولة” لأن الثورة بدأت مع “تمرد عنيف” غير صحيحة على الإطلاق. لقد شهد أكتوبر 1917 انتزاع السلطة من الطبقة البرجوازية ووضعها في أيدي العمال والفلاحين. كان هذا أمرا يفوق الاحتمال بالنسبة للطبقة الحاكمة الروسية القديمة التي، بعد أن حاولت إغراق الثورة بالدماء في عدة مناسبات خلال عام 1917، اتحدت مع زملائها الرأسماليين من جميع أنحاء العالم وحاولت تدمير “الحُمر” من خلال الحرب الأهلية. لقد كان الصراع الذي تلا ذلك، والذي كلف أرواح عشرات الآلاف من الناس ودمر اقتصاد روسيا، هو ما وضع الأساس لصعود رأسمالية الدولة تحت حكم ستالين. يظهر التاريخ أن الطبقات الحاكمة ليست مستعدة للتخلي عن سلطتها في مواجهة الحركات الثورية – والعنف مطلوب من قبل الحركات الثورية للدفاع عن نفسها وكسر سلطة الدولة المركزية للطبقة الحاكمة.

في مواجهة حكام مثل”دونالد ترامب” (Donald Trump) أو”جير بولسونارو” (Jair Bolsonaro)، وتسبب الرأسمالية في الأزمة البيئية، يجب أن يتذكر الجذريون والثوريون اليوم أن مسألة العنف ليست خيارًا أخلاقيًا. إنه شيء مفروض على حركاتنا بسبب طبيعة النظام الرأسمالي وأولئك الذين يدافعون عنه.

*مارتن إمبسون هو مؤلف كتاب “اقتلوا جميع السادة: الصراع الطبقي والتغيير في الريف الإنجليزي (بوكماركس، 2018) (Kill all the Gentlemen: Class Struggle and Change in the English Countryside) ومحرر كتاب” تغيير النظام وليس تغير المناخ: استجابة ثورية للأزمة البيئية”(System Change not Climate Change: A Revolutionary Response to Environmental Crisis) (بوكماركس، 2019).

** نشر المقال لأاول مرة في دورية أنترناشونال سوشياليزم العدد 165 (يناير 2020)

Notes

1 Chiu, 2019. 

2 Farrell, 2019, p100. 

3 Chenoweth and Stephan, 2013, p7.

4 www.ericachenoweth.com/research

5 Chenoweth and Stephan, 2013, p33.

6 Gluckstein, 2012, p58 and pp64-65.

7 Chenoweth and Stephan, 2013, p59.

8 Chenoweth and Stephan, 2013, p12-13.

9 Chenoweth and Stephan, 2013, p13.

10 Chenoweth and Stephan, 2013, p13.

11 Ackerman and Duvall, 2000.

12 Ackerman and Duvall, 2000, p502.

13 Ackerman and Duvall, 2000, p3.

14 Ackerman and Duvall, 2000, p54.

15 Trotsky, 2005, p199.

16 Trotsky, 2005, p201.

17 Ackerman and Duvall, 2000, p57.

18 Smith, 2017, p62.

19 Smith, 2017, p62 and p71.

20 Truth and Reconciliation Commission, volume six, section five, chapter 3 http://sabctrc.saha.org.za/reports/volume6/section5/chapter3/subsection1.htm

21 Ackerman and Duvall, 2000, p352.

22 www.youtube.com/watch?v=YJSehRlU34w

23 Chiu, 2019

24 Chenoweth and Stephan, 2013, p12.

25 Farrell, 2019, p102.

26 Arendt, 1972, p98.

27 Ahmed, 2019, p37.

28 Ahmed, 2019, 45.

29 Ahmed, 2019, pp46-47.

30 Ahmed, 2019, p40.

31 Ahmed, 2019, pp142-144. 

32 Ahmed, 2019, p157.

33 Ahmed, 2019, p143.

34 Ahmed, 2019, p143.

35 King, 1959.

36 Ackerman and Duvall, 2000, pp305-333.

37 Washington, 1991, p36.

38 Washington, 1991, p37.

39 Washington, 1991, p39.

40 Washington, 1991, p55.

41 Washington, 1991, p32.

42 Washington, 1991, p57.

43 Leonard, 2010, p19.

44 Marx and Engels, 1991, p552.

45 Callinicos and Hatchett, 1977.

46 Callinicos and Hatchett, 1977.

47 Kimber, 2019.

48 Lenin, 1992, p21.

49 Lenin, 1992, p19.

50 Lenin, 1992, p56-57.

51  Trotsky, 1992 and Sherry, 2017.

52 Chenoweth and Stephan, 2013, p206.

References

Ackerman, Peter and Jack Duvall, 2000, A Force More Powerful: A Century of Nonviolent Conflict (Palgrave).
Ahmed, Talat, 2019, Mohandas Gandhi: Experiments in Civil Disobedience (Pluto Press).
Arendt, Hannah, 1972, Crises of the Republic (Harcourt, Brace and Co).
Callinicos, Alex and Alastair Hatchett, “In Defence of Violence”, International Socialism (1st Series, September 1977) www.marxists.org/history/etol/writers/callinicos/1977/09/violence.htm
Chenoweth, Erica and Maria Stephan, Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict (Columbia University Press).
Chiu, Ming Ming, 2019, “For Hong Kong Protesters, the Choice is Clear: be Violent and Fail, or use Peaceful Pressure and Succeed”, South China Morning Post (21 August), www.scmp.com/comment/opinion/article/3023530/hong-kong-protesters-choice-clear-be-violent-and-fail-or-use
Gluckstein, Donny, 2012, A People’s History of the Second World War: Resistance Versus Empire (Pluto).
Farrell, Clare and others (ed), 2019, This Is Not A Drill: An Extinction Rebellion Handbook (Penguin).
Hill, Christopher, 1990, A Nation of Change and Novelty (Bookmarks).
Kimber, Charlie, 2019, “Bootle Anti-racist Postal Walkout Ends after Bosses use Strikebreakers and Injunction”, Socialist Worker (9 October) www.socialistworker.co.uk/art/49064/Bootle+anti+racist+postal+walkout+ends+after+bosses+use+strikebreakers+and+injunction
King, Martin Luther, Jr, 1959, “My Trip to the Land of Gandhi”, Stanford University, https://kinginstitute.stanford.edu/king-papers/documents/my-trip-land-gandhi
Lenin, V I, 1992 [1917], The State and Revolution, (Penguin).
Leonard, Gary S D (ed), 2010, The Kairos Documents (University of KwaZulu-Natal), http://ujamaa.ukzn.ac.za/Libraries/manuals/The_Kairos_Documents.sflb.ashx
Marx, Karl and Frederick Engels, 1991, Selected Works (Lawrence and Wishart).
Sherry, Dave, 2017, Russia 1917: Workers’ Revolution and the Festival of the Oppressed (Bookmarks).
Smith, S A, 2017, Russia in Revolution: An Empire in Crisis, 1890 to 1928 (Oxford University Press).
Trotsky, Leon, 2005 [1907], 1905 (Wellred).
Trotsky, Leon, 1992 [1930], The History of the Russian Revolution (Pathfinder).
Washington, James M (ed), 1991, A Testament of Hope: The Essential Writings and Speeches of Martin Luther King, Jr (Harpercollins).

You might also like