Take a fresh look at your lifestyle.

الثورة حكاية: مساء يوم ٢٥ يناير ـ شهادة معتقل حالي (2)



في أواخر عام ٢٠١٧ نشرت بالاحمر دعوة للكتابة عن ٢٥ يناير ٢٠١١ كما توجهت لعدد من الأشخاص خاصة الشباب والشابات للكتابة عن ذلك اليوم. البعض كتب مشكورا،  والكثيرون اعتذروا لأن الذكرى كانت موجعة، وكأنهم خشوا من استعادة الأحداث، لأن استعادة الأحداث لا ينفصل عما شملته أيام الثورة من فقدان واستشهاد، ولا يكتمل بدون استعادة ما بعدها من انتصار للثورة المضادة بكل ما يعنيه هذا الانتصار.

لكن الذكرى التاسعة للثورة، ٢٥ يناير ٢٠٢٠ تختلف. فيبدو أن هناك رغبة في التذكر والتذكير، خاصة بلحظات الانتصار والتحدي، بالصور والفيديوهات والشهادات، الكثير منها مؤلم ولكن الكثير منها أيضا جاء مزهوا وفخورا ومشتاقا للانتصار والتحدي 

ولأن العدوى اصابتنا فقد رأينا اعادة نشر بعض من شهادات “الثورة حكاية” التي نشرتها “بالأحمر” في يناير ٢٠١٨ بفارق هام: أننا حذفنا منها أسماء كاتبيها. فبعضهم في المعتقل، وبعضهم لازال حرا، إذا جاز التعبير..

بالأحـمــر

أنزلونا من حجز قسم شرطة روض الفرج إلى سيارة “الترحيلات”.. كومة من أجساد البشر محشورة بين جدران الزنزانة المعدنية المسماة سيارة ترحيلات.. سألت اذا كان هناك أحد معنا معه هاتف محمول، فقد صادروا هواتفنا. لحسن الحظ وجدنا هاتف مع احد الشباب صغير السن. اتصلت بمحامي جبهة الدفاع عن متظاهري مصر أبلغهم بعددنا ووجهتنا، أحصينا ٤٨ معتقل، بينما رجح شاب يقف إلى جوار “النضارة” أننا ذاهبون إلى معسكر الأمن المركزي بمدينة السلام. بدأت في الإبلاغ عن أسماء رفاق الترحيلة وعند الاسم العاشر نفذت بطارية الهاتف.

وصلنا بالفعل إلى معسكر الأمن وعند البوابة، وأثناء انتظار إنهاء إجراءات دخول السيارة، بدأ أحد زملائنا القدامى في إعطاء ارشادات كيفية التعامل مع “حفلة الاستقبال”. بحكم خبرته الطويلة مع الاعتقال قال “قد تنتظرنا حفلة استقبال عبارة عن اصطفاف عدد من العساكر ليشكلوا ممر “غير آمن” يبدأ من سلم سيارة الترحيلات وينتهي عند باب الاحتجاز. وأنه بمجرد نزولك من السيارة ستُضرب من اليمين ومن اليسار بعصي الأمن المركزي وخراطيم المياه فيما يشبه “الكرباج”.

أرشدنا الزميل أن أي محاولة منك لصد الضربات أو الالتفات إلى الجلاد يترتب عليها زيادة عدد الضربات وكذلك استغراق وقت أطول في اجتياز هذا الممر وبالتالي تعذيب أطول.

نصحنا بأن التصرف الأسلم هو أن تضع كلتا يديك خلف رأسك بحيث تحمي وجهك وان تتحرك داخل هذا الممر الاسود بالخطوة السريعة في اتجاه مكان الاحتجاز.. وأن تجاهد ألا تسقط أرضا وإلا أصبحت صيدا لفرق التعذيب”.

بقدر ما كانت ارشادات ونصائح هذا الزميل مفيدة ومفاجئة للشباب صغير السن جديد العهد على الاعتقال، بقدر ما سببت نوعا من التوتر والقلق لدى الكثير من هذا المصير.

دخلت السيارة ولحسن حظنا لم تكن هناك حفلة استقبال كتلك التي حذرنا منها الزميل، والسبب يرجع إلى ميدان التحرير وكافة أماكن التظاهر. اكتشفنا أن عدد القوات قليل، تمثل “قوات المؤخرة” لزوم الحراسة، حيث كانت الغالبية الساحقة من قوة المعسكر في الشارع للتصدي للمظاهرات ولم تعد بعد إلى معسكرها.

لم تكن هناك حفلة استقبال جماعية، لكن هذا لا يفوتهم أبدا، فقد كانت هناك حفلات استقبال فردية. بمجرد نزولنا أمرونا بالسير “خافضي” الرؤوس كالأسرى، ثم أمرونا بالاصطفاف على هذه الحالة ووجهنا للحائط. من كان يرفع رأسه تأتيه الضربة على “القفا” صفعة مدوية. في تلك الأثناء تأتينا صرخات شاب لمحته بطرف عيني مقيد بشجرة، يحتضن الشجرة بحيث تكون بين ذراعيه المقيدتين ” بالكلابشات” وتنهال عليه عصي الأمن من كل جانب.

أخذوا اسماءنا رباعية وأدخلونا عنابر الاحتجاز. يبدوا أن هذا الشاب قد لمح زميل لنا وعرفه،  فسمعنا من هذا الشاب نداء كالصرخة خارجة من اعماق شخص أنهكه التعذيب “انا فلان الفلاني يا …… وذكر اسم الزميل “.

عندها قررنا الهتاف جماعيا لانقاذ هذا الشاب من حفلة التعذيب مما اضطرهم إلى فك قيوده واقتياده وإدخاله معنا.

إرشادات جديدة.. تنظيمية للغرفة وقانونية استعدادا لتحقيق النيابة المحتمل.

بدأ الزميل صاحب الخبرة الواسعة في ظروف الاعتقال في نقل الخبرة، الأحذية توضع جميعا عند باب الحمام، الغرفة مكدسة وبالتالي النوم ومد الأرجل بالدور.. العنبر نصفين، نصف يتكدس به العدد الأكبر ونصف الدفعة الأولى التي ترغب في النوم، ويجري تبديل الوضعية كل ساعتين على ثلاث دفعات.. الحمام بالدور وله مسئول.

انتخبنا ٣ زملاء للتفاوض مع إدارة السجن/المعسكر حول متطلباتنا وللرد على إدارة السجن اذا هي أرادت الحديث معنا.

نظمنا الغرفة حسب ما اتفقنا عليه وبدأت مرحلة التعايش مع مساحة الزنزانة الضيقة المتكدسة بنا.

طلبنا طعام، فكل الزملاء المعتقلين لم يتناولوا اي طعام منذ صباح هذا اليوم والساعة قاربت العاشرة.. أعطونا عددا من ” الجراية”/العيش بكمية أقل من عددنا بكثير فاقتسمنا المتاح. أكلنا من قصعة عدس باردة من بقايا فطور العساكر على ما تبدو.

بدأوا في إخراج عدد منا للتحقيق، واحدا تلو الآخر، سمعت اسمي وأخرجوني. وقفت بين أيدي ثلاثة ضباط بزي مدني “أمن دولة” وخلفي يقف أمين شرطة طويل عريض. بعد أخذ بياناتي، اسمك وسنك وعنوانك وتاريخ ميلادك ….

س: من المسئول التنظيمي الذي كلفك بالنزول للتظاهر؟

ج : الفيسبوك

س: هل تنتمي إلى أي جماعة سياسية؟

ج : لأ

س وج …. هكذا

رن هاتف أحدهم فتوقفت الأسئلة. تابعت تعبيرات وجه الضابط صاحب الهاتف.. لم يرد بكلمات كثيرة ولم أسمع منه رد بجملة مفيدة.. أنهى مكالمته وقد تغيرت ملامح وجهه وازداد احمرارا.. أغلق الهاتف وهو يمسح رأسه بيده… سأله الضابط الجالس إلى جواره: خير يا باشا ؟ …. رد: ظاطت.

عندها كاد قلبي يهتف فرحا. “ظاطت” لا تعني سوا شيئا واحدا؛ المظاهرات مستمرة وقوية.. كنت انتظر صرفي إلى العنبر بفارغ الصبر لأبشر رفاقي بما سمعته، فقد كنا مقطوعين عن العالم الخارجي منذ لحظة الاعتقال … لا ندري هل انتهى اليوم وعادت الجماهير إلى منازلها؟! ام ان هناك مظاهرات كبرى كما توقعنا وأننا لن نعود إلى منازلنا مرة أخرى وتتحول المظاهرات إلى ثورة كما في تونس؟! لا ندري شيئا عما يجري بالخارج!!

انتهى التحقيق، الضابط أمر أمين الشرطة أن يدخلني إلى عنبر آخر!! … يادي النحس… وجدت نفسي في عنبر شباب إسلاميين، يقرءون المصحف وبعضهم يصلي.. لم يستقبلني أحد باهتمام كأن هناك مسئول ما معتقل أبلغهم بعدم الحديث مع “غرباء”… عبثا سألت عن سجاير، فقد كنت في احتاج إلى تدخين سيجارة… وطبعا لم تأتني إجابة!

لحسن حظي أن وجدت “شراعة” من السلك عند سقف العنبر تطل على العنبر المجاور الموجود فيه رفاقي. ناديت على احدهم وطلبت سجاير.. تسلقت الحائط مستندا إلى الباب ومرر لي صديقي سيجارتين من بين الأسلاك.. “هو مفيش حد عندك معاه سجاير؟!” … “لأ، فيه قرفة بحليب.. ضحكنا ونزلنا ” … طُلب مني عدم التدخين لأنه يضر بصحة أحدهم، تفاوضت على تدخين سيجارة على “النضارة” رغم خطورة ذلك. فقد كان ممنوعا أن ينظر أحد إلى الخارج عبر النضارة … “فقد يأتيك بوكس أمين شرطة في وجهك يبلّعَك السيجارة مشتعلة”.. دخنت السيجارة وجلست في هذا العنبر الصامت إلا من تراتيل قراءة القرآن وبعض الصلوات.

تأتيني عبر الاسلاك “شيد قصورك ع المزارع”. رفاقي ينشدون أغاني الشيخ إمام بكل حماس.. لماذا أنا هنا دون الباقين؟؟ الوحيد الذي ادخلوه إلى عنبر مخالف للتصنيف السياسي؟! أريد أن انضم إلى رفاقي!

بعد وقت قصير تحولت الأغاني إلى هتافات مصحوبة بخبط على الباب “يسقط يسقط حسني مبارك… يسقط يسقط حكم العسكر”.. عند هذه اللحظة قام كل من في العنبر إلى الصلاة إلا أنا… صلاة جهرية بصوت مرتفع، وأدعية يرد عليه المصلين “يا الله”.. فهمت المقصود. أصحاب العنبر يريدون إيصال رسالة إلى إدارة السجن أنهم خارج ما يجري من هتافات وتكسير ابواب!

رددت الهتاف منفردا خلف هتاف عنبر رفاقي.. ويبدو أن الرسالة وصلت من طرفهم وطرفي إلى الخارج.. فُتح الباب. “تعالى أنت يا اللي بتهتف”.. أخذني إلى الضابط الذي كان يفتح “لاب توب”.  “انت اسمك هيثم محمد؟”.. “لأ هيثم محمدين”.

“اومال صفحة الإخوان في الجيزة كاتبين اسمك ليه انك مقبوض عليك؟!..” “معرفش!” … “خلاص خده”.. رجع بي أمين الشرطة إلى نفس العنبر، فضابط قال له: لأ ده مع “الرفاق” مش “الأخوة” … وأخيرا رجعت إلى الرفاق.. فأبلغتهم فورا بتفاصيل المكالمة التي كنت سمعت جانبا منها.

قبعنا في السجن ايام ٢٥ و٢٦ ونهار ٢٧ ثم عُرضنا على النيابة ليلة هذا اليوم.

وقف على باب العنبر أمين شرطة ينادي أسماء من سيجري عرضهم على النيابة. عند خروجي لمحت في كشف الأسماء رقم مسلسل يشير إلى ٥١٧ اسم مسجل في دفتر أمين الشرطة. الكشف وتكدس العنابر يشير إلى وجود عدد كبير من  المعتقلين في معسكر قوات الأمن المركزي بالسلام.. فما بال بقية المعسكرات!!!

في الطريق إلى النيابة، نرى الشارع لأول مرة منذ اعتقالنا يوم ٢٥ يناير.. الطوب يملأ الشارع.. مواطنون يجلسون على المقاهي كالعادة، لكن الأمر لا يبدو عاديا.. نشعر ونلمس حالة من التوتر “الكهربا” في الشارع.. هتفنا في شباك الترحيلات “يسقط يسقط حسني مبارك”، فردد أشخاص بالشارع الهتاف خلفنا مما دفع بسائق السيارة بالإسراع!.. حالة من الخوف والارتباك تنتاب قوات الأمن.. حالة لمسناها في المعسكر، وتأكدت لنا من مشاهد الشارع وردة فعل المواطنين على هتافنا.

عُرضنا على النيابة.. ٧٠ متهم. بعد التحقيق جرى توزيعنا على أقسام الشرطة (الدرب الأحمر، السيدة زينب، قصر النيل، عابدين … الخ). كنت ضمن مجموعة الدرب الأحمر، وفوجئنا قبل الفجر بإخراجنا من حجز القسم، وبُلغنا بالإفراج عنا.. يبدو أن هذا العدد الكبير كان يشكل عبئا على قوات الأمن، وربما خروجنا كان لتهدئة الشارع.. الاحتمالين واردين.

خرجنا، تفصلنا ساعات قليلة عن يوم “جمعة الغضب”. جلسنا على مقهى قريب دقائق معدودة وعاد كل منا إلى مكان يبيت فيه استعدادا للمشاركة في جمعة الغضب التي علمنا بها من زبائن ” القهوة “.

ليس كل من شارك في ثورة يناير دخل التحرير يومها.. سعداء الحظ فقط هم من وصلوا إلى هناك.. نعم رغم مشاركتنا في الثورة إلا أننا نتحسر على عدم تواجدنا بعد أن غيبنا السجن عن ميدان التحرير.

وللحديث بقية …….

 * نشر المقال لأول مرة في يناير 2018

You might also like