Take a fresh look at your lifestyle.

موجة جديدة من الثورة العالمية؟

كتب : جون مولينو
ترجم : عايدة سيف الدولة


اندلعت ثورات جماهيرية غير عادية في العديد من البلدان حول العالم. فهل نشهد موجة ثورية جديدة، أم أن هذه أحداث معزولة وغير مرتبطة؟

في الأسابيع القليلة الماضية أصبح من الواضح أن هناك موجة من التمرد الشعبي في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي اتضح جليا في الفترة الأخيرة. ومع ذلك، عندما ننظر إلى الوراء، يتضح أن أصول هذه الموجة تعود إلى نهاية عام 2018 وأوائل عام 2019.

التسلسل الزمني للثورات

السترات الصفراء في فرنسا: أكتوبر/نوفمبر 2018

الثورة السودانية: 19 ديسمبر 2018

الاحتجاجات الجماهيرية في تاهيتي: 7 فبراير 2018

الجزائر، ثورة الابتسامة: 6 فبراير 2019

تمرد هونج كونج: مارس 2019 تحول إلى ثورة جماهيرية يوم 9 يونيو

العراق، ثورة تشرين: 1 أكتوبر 2019

بورتو ريكو، تليجرام جيت: 8 يوليو 2019

احتجاجات الاكوادور: 3 أكتوبر 2019

احتجاجات كاتالونيا: 14 أكتوبر 2019

احتجاجات شيلي: 14 أكتوبر 2019

احتجاجات لبنان: 7-18 أكتوبر 2019

بالإضافة إلى ذلك، هناك أماكن شهدت احتجاجات كبيرة قد تستمر أو لا تتطور أكثر. على سبيل المثال؛ أوروغواي، بيرو وكوستا ريكا، وكذلك احتجاجات تغير المناخ العالمي (global climate change) التي قام بها طلاب المدارس وتمرد ضد الانقراض (Extinction Rebellion). إنه صعود لا يقبل المقارنة في النصف قرن الأخير سوى بحركات 1968 وتلك التي شهدها عام 2011 عندما امتد الربيع العربي إلى حركة السكان الأصليين المناهضة لسياسات التقشف في إسبانيا (Indignados) وحركة احتلال الميادين (Occupy movement) في الولايات المتحدة. هذا المقال ليس ولا يمكن أن يكون بمثابة عرض أو تحليل شامل لهذه الثورات، وإنما يعرض عددا من الملاحظات الأولية للخصائص والأنماط وبعض الاستنتاجات.

القضايا

إن انفجار هذا التمرد في جميع أنحاء العالم ليس في الحقيقة موجة مثلما كان الربيع العربي موجة في عام 2011، أي أنه ليس تسلسلًا بسيطًا من الثورات المرتبطة فيما بينها، واحدة تلو الأخرى، حيث كل منها تلهم الأخرى. بل يبدو أن كل تمرد كان له محفز وطني خاص به. في هونغ كونغ كان ذلك المحفز قانون تسليم المجرمين. في بورتوريكو كان تسريب شرائط الحاكم؛ في كاتالونيا كان الأحكام القاسية على قادة الاستقلال. وفي لبنان كان فرض ضريبة على واتس آب (WhatApp). ومع ذلك، إذا استثنينا هونج كونج وكاتالونيا حيث كانت القضايا تتعلق أساسًا بالديمقراطية أو تقرير المصير، فإن الخيط المشترك الذي يربط ما بين كل تلك الثورات كان انتفاضة ضد الفقر وعدم المساواة وارتفاع تكاليف المعيشة والفساد.

يجب أن يكون هذا بمثابة تذكير لشيء يمكن أن ينساه الاشتراكيون بسهولة عندما يبدو المجتمع هادئًا و “مستوى النضال منخفضا”: أنه يوجد في جميع أنحاء العالم، تحت الاستقرار السطحي، كتلة من الألم والغضب لا تجد لنفسها تعبيرًا يذكر في الممارسة اليومية للسياسة. في معظم الأوقات، يتعامل الناس مع الألم والغضب هذا وحدهم كأفراد، حيث يصبح ضغط محاولات التأقلم اليومية أحد العوامل الرئيسية، بل وربما العامل الرئيسي، الذي يمنعهم من أن يصبحوا فاعلين سياسيا. لكن في بعض الأحيان، يمكن لضغط أو هجوم جماعي ما أن يصيب العصب الجماعي للطبقة العاملة وأن يفجر رد فعل جماعي يفتح فجأة آفاقًا جديدة تمامًا.

فلننظر إلى شيلي – لقد استمعت إلى مقطع فيديو على يوتيوب (YouTube)، حيث يتحدث رفيقي الشيلي القديم، ماريو نين (Mario Nain)، عن تشيلي على أنها تكاد أن تكون في حالة انتفاض. ومع ذلك نجد على ويكيبيديا الوصف التالي لشيلي:

تعد دولة تشيلي الحديثة ذات السيادة من أكثر دول أمريكا الجنوبية استقرارًا ورخاءً اقتصاديًا واجتماعيًا، مع اقتصاد مرتفع الدخل ومستويات معيشة عالية. إنها تأتي في مقدمة دول أمريكا اللاتينية من حيث تصنيفات التنمية البشرية، والقدرة التنافسية، ومتوسط دخل الفرد، والعولمة، وحالة السلام، والحرية الاقتصادية، وانخفاض معدلات الفساد.

يتحدث بيرتولت بريخت (Betolt Brecht)، في قصيدته العظيمة، إلى الأجيال القادمة، عن اليأس عندما كان لا يوجد سوى الظلم دون مقاومة قائلا: يكاد اليأس يقتلنا حين نرى الظلم أمامنا ..ولا نرى أحداً يثور عليه

ما يحدث في الوقت الحاضر هو دليل على أن النظام المتحلل للرأسمالية العالمية يحمل إمكانات ثورة محتملة.

الطابع الجماهيري

ما يلفت النظر أكثر حول الموجة الحالية ليس فقط انتشارها الجغرافي ولكن طابعها الجماهيري غير العادي داخل كل بلد. الأرقام وحدها مذهلة حقًا.

بعض المعالم التاريخية: كانت أكبر مظاهرة شوارع في روسيا في عام 1917 هي على الأرجح أيام يونيو عندما تظاهر نحو 400000 متظاهر. كان حجم المظاهرات المتحدة العظيمة التي منعت وصول الفاشية الفرنسية إلى السلطة في عام 1934 يقدر بحوالي مليون شخص وربما نصف مليون في باريس. كذلك فإن قوام مسيرة مارتن لوثر كينغ التاريخية في واشنطن حيث ألقى خطابه “لدي حلم”، ربما كان ربع مليون. في أيار / مايو 68، بلغ عدد المتظاهرين في أكبر تعبئة مفردة حوالي مليون شخص في باريس. كما كانت أكبر مظاهرة في التاريخ البريطاني تلك المسيرة المليونية ضد حرب العراق عام 2003 التي بلغ قوامها 2 مليون شخص.

ومع ذلك، تظاهر ما بين مليون ومليوني شخص في هونج كونج يوم 16 يونيو من إجمالي عدد السكان البالغ 7 ملايين نسمة؛ وفي لبنان في 20 أكتوبر / تشرين الأول، خرج ما يقدر بمليون شخص إلى الشوارع من بين السكان البالغ عددهم 6 ملايين فقط. في تشيلي، كان هناك ما يقرب من مليون شخص في شوارع سانتياغو في نهاية الأسبوع الماضي من بين 18 مليون نسمة هم إجمالي عدد السكان.

تقدم ويكيبيديا قائمة بأكبر التظاهرات في الولايات المتحدة تاريخيا. وفقًا لهذه القائمة، كان رابع أكبر هذه التظاهرات على الإطلاق – بالنسبة للولايات المتحدة بأكملها – هو 1.1 مليون في 22 يوليو من هذا العام في سان خوان، بورتوريكو، والتي أغلقت بالكامل الطريق السريع “أكسبريسو لاس أمريكاس” (Expreso las Americas) الذي يبغ عرضه 11 حارة.

بالطبع ليس الحجم في حد ذاته ما يحدد القيمة الثورية. فقد كانت مظاهرة أيام يونيو في بتروغراد في عام 1917 مليئة بالجنود المسلحين والبحارة والعمال. لذلك فالأرقام ليست هي المقياس الوحيد الذي يجب أخذه في الاعتبار. ومع ذلك، فإن هذه الأعداد الهائلة ذات دلالة كبيرة وتتطلب بعض التفسير.

من الواضح أن بعض الناس سوف يفسرون ذلك بوسائل التواصل الاجتماعي، تمامًا كما أطلقوا على الثورة المصرية ثورة التويتر  “Twitter”، وأنا واثق من أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورها في توفير طريقة بديلة لنشر الأخبار والآراء بدلا عن القنوات التقليدية أو الأدوات اليسارية مثل المنشورات. لكنني لا أعتقد أن ذلك يفسر ولو نصف الحقيقة. في مصر في عام 2011، أغلق النظام الإنترنت دون أن يتمكن بأي حال من الأحوال من وقف الثورة. وفي عام 2013، لم يمنع وجود وسائل التواصل الاجتماعي انتصار الثورة المضادة. وبالتالي فإن هذا الحجم الهائل للتعبئة إنما يعكس اتجاهات  أم ملامح أعمق بكثير.

الطابع البروليتاري

ما هي هذه الاتجاهات الجديدة إذا؟ الأول هو النمو الهائل للطبقة العاملة العالمية. في عام 1993، كان عدد العاملين بأجر أو رواتب يبلغ 985 مليون من إجمالي سكان العالم الذين بلغ عددهم حوالي 5.526 مليار أي حوالي 18٪. بحلول عام 2013، زاد عدد الموظفين بأجر/ براتب إلى 1.575 مليار من إجمالي 7.086 مليار أو ما يزيد قليلاً عن 22٪. والأهم من ذلك أن هذا الرقم يمثل ما يزيد قليلاً عن 50٪ من إجمالي القوى العاملة في العالم البالغ حوالي ثلاثة مليارات. بالطبع، لم يكن كل هؤلاء عمالا بأجر (حيث بينهم أقلية من المديرين) – لكن معظمهم كانوا كذلك، وهذا يعني أنه لأول مرة في التاريخ، شكلت بروليتاريا ماركس حقًا ما يشبه غالبية المجتمع على مستوى العالم.

الأكثر أهمية من الأرقام المطلقة هو الاتجاه. خلال العشرين عامًا من 1993 إلى 2013، زاد عدد العاملين بأجر/ براتب بمقدار 5891414000 (أي 60 ٪ من العدد في عام 1993). وانضم في المتوسط 29 مليون شخص إلى القوة العاملة بأجر كل عام. علاوة على ذلك، كان نمو العمالة بأجر يتركز في البلدان النامية؛ حيث ارتفع العدد من 345 مليون (1993) إلى 410 مليون (2013). في البلدان غير المتقدمة كان النمو متفجرا: من 640 مليون (1993) إلى 1،165 مليون (2013).

تعد القوى العاملة بأجر في العالم غير المتقدم أكبر من إجمالي قوة العمل بأجر على مستوى العالم قبل عشرين عامًا. كان هناك ما يقدر ب 445 مليون موظف بأجر أو راتب في شرق آسيا في عام 2013، أي أكثر من إجمالي كل البلدان المتقدمة. لقد اندلعت الثورات الحالية بالتحديد في تلك الاماكن التي شهدت نموا في طبقة البروليتاريا. المؤكد أن المعلقين السطحيين لن يعتبروا هذه الثورات ثورات عمالية لأن المتظاهرين في الشارع ليسوا من عمال المناجم، أو الموانئ، أو السيارات وما إلى ذلك. لكنهم، بأغلبية ساحقة، عاملين بأجر. في الواقع، ماذا كان يمكنهم أن يكونوا غير ذلك؟ هذا هو شكل الطبقة العاملة المعاصرة.

كذلك يرتبط الطابع المديني للتحركات ارتباطًا وثيقًا بطابعها البروليتاري وحجمها. تُظهر قائمة البنك الدولي الخاصة بترتيب الدول حسب درجة التمدن أكثر من 30 دولة تزيد نسبة سكانها في الحضر عن 80٪ من إجمالي عدد السكان، بما في ذلك الأرجنتين (92٪) والبرازيل (85٪) وشيلي (89٪) ولبنان (88٪) المملكة العربية السعودية (83%) والمملكة المتحدة (82 ٪) والولايات المتحدة (81 ٪) وأوروغواي (95 ٪). وكما هو الحال فيما يتعلق باتساع العمل بأجر، فإن عملية التوسع الحضري في البلدان النامية هي الأكثر سرعة، والعديد منها الذي كان في الغالب ريفيا حتى وقت قريب جدًا أصبح الآن حضريًا بشكل كبير، على سبيل المثال الجزائر (70٪)، بوليفيا (68٪)، منغوليا (71٪)، بيرو (78٪) وتركيا (73٪). يسرد أطلس العالم 69 مدينة يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين و26 مدينة يتجاوز عدد سكانها 10 مليون نسمة.

هذا المزيج من الطابع المديني والبروليتاري معا أدى أيضًا إلى تغيير الاستراتيجيات والتكتيكات السياسية.

في عام 1968، كان هناك تماهي قوي، خاصة في البلدان النامية، مع استراتيجية حرب العصابات الريفية، والتي عادة ما كانت توصف بالماوية (في آسيا) والجيفارية (في أمريكا اللاتينية). حتى في البلدان الصناعية المتقدمة، كان هناك ميل قوي “لحمل السلاح” بشكل أو بآخر (الفهود السود والألوية الحمراء والجيش الجمهوري الأيرلندي وما إلى ذلك). وعندما تم رفض ذلك النموذج لصالح التوجه نحو الطبقة العاملة الصناعية، فإنه كان يعني التركيز على النقابات العمالية اليدوية ونموذجًا للثورة ينتقل بشكل كبير من الإضرابات الاقتصادية الكبيرة إلى الإضرابات الاقتصادية الأكبر إلى مظاهرات الشوارع إلى احتلال الشوارع والميادين إلى الإضراب العام إلى الانتفاضة.

في التمردات الحالية، كانت الاستراتيجية التلقائية المفضلة هي التظاهرات الضخمة – التعبئة الجماهيرية لقوة الناس في الشوارع. لقد كانت الإضرابات الجماهيرية وستظل مهمة للغاية في هذه الثورات. على سبيل المثال كانت هناك إضرابات عامة في لبنان وشيلي، لكن الاتجاه كان إلى حد كبير من المظاهرات السياسية الجماهيرية إلى الإضرابات السياسية، وليس من الإضرابات الاقتصادية إلى الحراك السياسي.

الشباب

في كل هذه التمردات تقريبا كانت القيادة للشباب. يبدو هذا أكثر وضوحًا في شيلي حيث بدأت الحركة بكاملها من قبل طلاب المدارس والطلاب المحتجين على ارتفاع تكلفة المواصلات؛ في هونغ كونغ كان المحرك هو المعارك الضارية مع الشرطة؛ ولم يختلف الأمر كثيرا في لبنان. بمعنى ما،  يمكن القول بأن هذا أمرا متوقعا تمامًا حيث ان الشباب دائمًا هم من يحتلون مكان الصدارة في الثورات، إلا أنني أعتقد أنه فيما يحدث الآن يوجد عامل آخر محدد، ألا وهو عامل فرق الأجيال. إن ثلاثة من أكبر وأعمق التمردات كانت في بلدان – تشيلي، لبنان والعراق – عاشت ماضٍ مؤلم للغاية. في حالة شيلي، حكمت البلاد لمدة سبعة عشر عامًا من عام 1973 إلى عام 1990، من قبل ديكتاتورية بينوشيه، وهي واحدة من أكثرها وحشية في العصر الحديث. جاء بينوشيه إلى السلطة في انقلاب عسكري دعمته الولايات المتحدة، دمر حكومة الوحدة الشعبية الراديكالية لسلفادور أليندي، وعرفت باستخدامها فرق الموت والتعذيب الشديد.

كانت الصدمة في لبنان معاصرة تقريبًا لصدمة تشيلي؛ حيت تمثلت في حرب أهلية متعددة الجوانب أودت بحياة حوالي 120،000 شخص ودفعت بمليون لبناني إلى المنفى. في سياق هذا الصراع، أصبحت بيروت كلمة مرادفة دوليا للتدمير والفوضى. تركت الحرب لبنان منقسمًا بعمق على الخطوط الطائفية – بين المسيحيين الموارنة والمسلمين السنة والمسلمين الشيعة والدروز – والتي كرسها في الأساس الحكم الاستعماري الفرنسي من قبل. وبعد وقف إطلاق النار عام 1990، اعتمد النظام السياسي في لبنان (كما في إيرلندا) على بنية طائفية. واحدة من أروع سمات الثورة الحالية هي أنها حشدت الناس من جميع الطوائف فشكلت بذلك تحديا للانقسامات الطائفية. بالطبع يمكن تفسير ذلك على أنه تأثير النضال الجماعي. لكن يمكن القول أيضًا أنه نتيجة لتطور جيل جديد من الشباب لا تستوقفه الطائفية القديمة للأجيال الأكبر سناً.

في حالة العراق، كانت الصدمة هي الغزو الأمريكي عام 2003 الذي دمر البلاد وأغرقها في صراع طائفي مرير طويل الأمد، حيث قادت الإمبريالية الشيعة ضد السنة. كان من الطبيعي خلال معظم فترة ما بعد الحرب أن تستقبل المساجد 100 جثة في اليوم. إن انضمام الشيعة والسنة معاً في الثورة الحالية هو أمر رائع يعود الفضل فيه جزئيا إلى الجيل الجديد.

ومع ذلك، من المذهل أيضًا أن تلك البلدان التي احتلت الصدارة في الربيع العربي في عام 2011 وعانت أكثر من غيرها من القمع والثورات المضادة التي أعقبت ذلك – مصر وليبيا والبحرين وسوريا (تونس هي استثناء جزئي) – لم تكن في طليعة الموجة الحالية. وذلك خلافًا للسودان والجزائر والعراق التي شهدت احتجاجات جماهيرية مؤخرًا، لكنها كانت صامتة نسبيًا في عام 2011. هذه هي جدليات التاريخ؛ من كانوا سابقا في المؤخرة يصبحون لاحقا في المقدمة.

الإكوادور

لم أتناول حتى الآن وضع الإكوادور لأنني لا أملك أرقاماً عن حجم المظاهرات. ومع ذلك، كان حجم وشدة الثورة ضد حزمة خفض الدعم وتدابير التقشف التي اتخذتها الحكومة مذهلة. يمكن الحكم على هذا من بعض الحقائق البسيطة؛ أ) منذ البداية قطعت الاحتجاجات جميع الطرق والجسور الرئيسية إلى العاصمة كيتو (Quito)؛ ب) بعد أربعة أيام من بدء الانتفاضة، تم نشر القوات المسلحة من أجل إطلاق سراح 50 جنديًا تم أسرهم واحتجازهم من قبل جماعات السكان الأصليين المحتجين؛ ج) في 8 أكتوبر، نقل الرئيس الإكوادوري، لينين مورينو (Lenin Moreno)، حكومته من كيتو إلى مدينة غواياكيل (Guayaquil) الساحلية بعد أن احتل المتظاهرون المناهضون للحكومة كيتو، بما في ذلك قصر كارونديليت الرئاسي (Carondelet Palace)

من المهم في الإكوادور أيضًا أنه بعد إعلان خفض الدعم مباشرةً، تم تشكيل تحالف رباعي بين النقابات العمالية الرئيسية؛ الجبهة الموحدة للعمال (Frente Unitario de los Trabadores) واتحاد القوميات الأصلية في إكوادور واتحاد طلاب الإكوادور والجبهة الشعبية (بقيادة الحزب الشيوعي في إكوادور). لم يقتصر الأمر على ضم مجموعات السكان الأصليين (ما يقرب من 6 ٪ من السكان)، بل يبدو أنهم – وهم ضحايا قرون من القمع الشديد والتهميش – كانوا المكون الأكثر تقدمًا في الحركة. علاوة على ذلك، هناك اختلاف واضح عن بعض الاحتجاجات الأخرى وهو أن يلعب حزب يساري قائم مثل هذا الدور الرائد. على أية حال، لقد نجح هذا التحالف في إخضاع الحكومة في خلال أسبوعين.

القمع

أثبتت هذه الثورات الجماهيرية الرائعة قدرتها على تحمل مستويات خطيرة من القمع. لقد تحملت حركة السترات الصفراء قمعا مستمرا من رجال الشرطة الفرنسية الوحشية واستمرت دون خوف. وفي هونج كونج تصدى المتمردون لهجمات البلطجية الإجرامية والعنف المستمر من جانب الشرطة على حد سواء. يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت سلطات هونج كونج أنها ألقت القبض على 2379 متظاهرًا من بينهم 750 تحت سن 18 عامًا. في الثورة السودانية التي استمرت سبعة أشهر، قُتل ما يقرب من 260 متظاهرًا، من بينهم أكثر من 100 في مذبحة 3 يونيو التي قام بها الجنجويد، والتي شملت أيضا اغتصاب 70 امرأة. ولكن بعد 3 يونيو، عادت الحركة بقوة وحققت نصرا جزئيا. في لبنان، أبلغ الصليب الأحمر أنه تعين عليه علاج 402 شخصًا مصابين بجروح من الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وخراطيم المياه. في تشيلي، قُتل حوالي 20 شخصًا وأصيب كثيرون آخرون بكرات الرصاص، إلى جانب أكثر من 3000 عملية اعتقال وقام رجال الشرطة بضرب الناس بشكل عشوائي ووحشي في الشوارع، ومع ذلك استمرت الانتفاضة وكبرت. كما كان مستوى العنف في العراق أكثر وحشية حيث قتل ما يقرب من 200 شخص، ولكن دون أن يتسبب ذلك في كسر التمرد الشعبي.

فيما يتعلق بردود فعل الأنظمة المختلفة، فإن سلوك الرئيس الإكوادوري مورينو يكاد يكون نموذجيا إلى حد ما. عندما بدأت الاحتجاجات على حزمته الاقتصادية، أعلن يوم 5 أكتوبر أنه “لن يتفاوض مع مجرمين“. بعد ستة أيام من التمرد المتصاعد، قال: “تحتاج البلاد إلى استعادة هدوئها. دعونا نجلس ونتحدث“. وفي 13 أكتوبر، دخلت الحكومة في مفاوضات تلفزيونية مع اتحاد السكان الأصليين ووافقت على إلغاء خفضها للدعم. وبالمثل، أعلن الرئيس التشيلي، سيباستيان بينيرا (Sebastian Pinera)، حالة الطوارئ يوم 18 أكتوبر وأنه “في حالة حرب” مع العدو في الداخل. بعد ثلاثة أيام، كان يعيد هيكلة حكومته ويعلن عن إصلاحات محدودة. وبحلول مساء يوم 25 أكتوبر، بعد المسيرة القوية في سانتياغو، كتب تغريدة جاء فيها “أن المسيرة الهائلة والمبهجة والسلمية اليوم، حيث يطالب التشيليون تشيلي أكثر عدلاً ودعما، تفتح مسارات رائعة للمستقبل والأمل. لقد سمعنا جميعًا الرسالة “.

ولكن هناك نوعان من المخاطر اللذين ينبغي الإشارة إليهما هنا. الأول هو أن السياسيين الذين يعلنون الحرب يومًا ما ويتفاوضون من أجل السلام في اليوم التالي، سوف يتحولون مجددًا إلى الحرب في اللحظة التي تناسبهم، أي عندما يشعرون أنهم أصبحوا في وضع أقوى. ومن ثم لا يجب الوثوق بهم في أي وقت. والثاني هو أن المتظاهرين والثوار الشباب الذين اخترقوا الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص نحو ما يرون أنه انتصار هم عرضة للاعتقاد بأنهم لا يُقهَرون وأنهم قادرون على التغلب على كل شيء من خلال الشجاعة والجرأة وقوة الإرادة. كان هذا هو المزاج السائد بين الثوار المصريين بعد خلع مبارك.

لسوء الحظ، ليست الثورات بهذه البساطة، ولا يزال الوعي متناقضا حتى بين الجماهير الثورية؛ حيث يمكن خداعهم وتشويشهم وإحباطهم بحيث تتمكن الثورة المضادة من ضربهم. عندما يحدث ذلك، فإن قتل 200 أو اعتقال 3000  لا يمثل بأي حال من الأحوال حدود الوحشية التي يمكن أن تنطلق. من المؤسف أنه يمكن إغراق الثورات في الدم كما حدث في تشيلي في سبتمبر 1973؛ وكومونة باريس في عام 1871؛ أو في مصر في عام 2013، الأمر الذي يثير مسألة الاستراتيجية والقيادة السياسية وهو ما سوف اتطرق إليه الآن.

السياسة

في السودان وإكوادور، نظمت الحركات قيادة سياسية منذ البداية، حيث لعبت الأحزاب الشيوعية الوطنية دوراً مهماً، إن لم يكن مهيمناً. ولكن ذلك ليس هو الأمر الشائع. بل الأكثر شيوعًا – من السترات الصفراء إلى هونج كونج ولبنان وشيلي والعراق هو غياب أي قيادة سياسية واضحة للحركة وتعبير عنها. تقع كاتالونيا في مكان ما في الوسط بوجود أحزاب قومية راسخة، برجوازية وراديكالية ولكن دون قيادة سياسية واضحة.

هذا الفراغ السياسي يمثل مشكلة خطيرة، ليس لأن الناس بحاجة إلى أن يتعلموا كيفية التمرد أو إدارة أساليب القتال في الشوارع. إنها مشكلة لأنه يصعب على الثورة تحديد أهداف سياسية واضحة أو خطة محددة لمجتمع أفضل. من الواضح أن الناس يريدون القضاء على الفقر والتقشف والفساد والليبرالية الجديدة والحد من عدم المساواة وما إلى ذلك. ولكن ما المطلوب بالضبط لتحقيق هذه الأهداف؟ هل يكفي أن نضع أفرادا يتميزون بالنزاهة والصدق في السلطة؟ إذا كان المطلوب هو تغيير النظام، كما تعلن حركة المناخ، فما الذي يعنيه ذلك بالضبط ومن الذي سيقوم بتحقيقه؟ ما الذي سيتم عمله بشأن الوضع الحالي، بما في ذلك حالة الدولة العميقة الخفية؟ في ظل عدم وجود إجابات جادة على هذه الأسئلة، وهي لا مفر إجابات سياسية، يصبح من الصعب للغاية على أي حركة، أي “ثورة” أن تتجاوز إصلاحات محدودة للغاية مثل إزالة ديكتاتور مكروه، وإلغاء هجمات معينة.

كل ذلك يشير إلى حقيقة أنه على الاشتراكيين، في الوضع العالمي الحالي، الالتزام بالبحث عن طرق لإعادة وضع التحول الاشتراكي الحقيقي على جدول الأعمال العالمي.

وأخيرا، إشارة بشأن تغير المناخ. ذكرت في بداية هذا المقال أننا إلى جانب هذه الثورات، رأينا حركة متصاعدة بشأن تغير المناخ. ومع ذلك، من الملاحظ أن قضية التغير المناخي – رغم أنها عبأت حشودا هائلة في بعض الأماكن مثل مونتريال ونيوزيلندا – لم تبرز في حركات الطبقة العاملة الأكبر حجماً التي نناقشها. وذلك لأن المناخ، وعلى الرغم من أهميته المطلقة وقدرته على تحفيز طبقة كبيرة جدًا من الناشطين والمتمردين الجدد، يبقى بالنسبة لمعظم الناس من الطبقة العاملة مسألة مجردة مقارنة بسعر الوقود وتكلفة المعيشة. وعلى العموم، فإن القضايا الملموسة هي التي تدفع أوسع الجماهير إلى النضال. في 1914-1918 لم يكن التهديد أو حتى الإعلان عن الحرب ما دفع الجماهير إلى التمرد، بل الحرب ذاتها. ومع ذلك، فإن النقطة المتعلقة بتغير المناخ هي أنها مسألة وقت فقط قبل أن تنتقل القضية من كونها قضية مجردة إلى كونها واقعا فعليا.

عندما يحدث ذلك، فإن كل القوة الكامنة في الطبقة العاملة الدولية والإمكانات الهائلة للثورة التي نشهدها حاليًا في جميع أنحاء العالم سوف تصبح في موقف شديد القوة. ولكن ذلك يعني أيضا أن القضايا السياسية المطروحة هنا سوف تكتسب اهمية مضاعفة.

*إضافة من الكاتب لـ “بالأحمر”

منذ كتابة هذا المقال (في 02/11/19) اكتشفت من سايمون عساف في لبنان أنني كنت مخطئًا في القول إن تغير المناخ “لم يطرح في الحركات الاحتجاجية الأوسع ذات الطابع البروليتاري التي تناولناها بالنقاش”. ووفقًا لسيمون، فإن درجات الحرارة المرتفعة والحرائق المترتبة على ذلك في العراق ولبنان كانت عاملاً مهمًا في تأجيج الغضب الشعبي وإثارة الاحتجاجات. وإنه ليسرني أن أصحح هذه النقطة.

**نشر المقال لأول مرة باللغة الانجليزية على موقع REBEL وقام بالأحمر بترجمته إلى العربية بالاتفاق مع الكاتب

You might also like