Take a fresh look at your lifestyle.

الليندي في شيلي اليوم



بعد ما يقرب من خمسة عقود من حكومة الوحدة الشعبية التي شكلها، لا يزال الليندي شخصية مركزية بين صفوف اليسار التشيلي. ومع ذلك، يفترق اليسار في تفسيره لسقوط الليندي، بين منظور ديمقراطي اجتماعي ومنظور ماركسي أكثر راديكالية أو كلاسيكية.

كتب: ناعوم تايتلمان

ترجمة: عايدة سيف الدولة

بعد حوالي خمسة عقود من الانقلاب الذي أطاح بالرئيس اليساري سلفادور الليندي(Salvador Allende)، بدأ اليسار التشيلي في إعادة بناء قوته. لكنه لا يزال يتصارع مع إرث الهزيمة الدموية للثورة الديمقراطية التي قام بها الليندي.

في عام 2014، أعلن حزب جديد في شيلي اسمه “الثورة الديمقراطية” (Revolución Democrática) عن افتتاح مكتبه المركزي. أحد الأشياء الأولى التي قاموا بها هي تزيين الجدران بلوحة جدارية. كان الاقتباس الذي تم اختياره لهذه اللوحة من خطاب الرئيس التشيلي الرمز سلفادور الليندي: “منذ شبابي، ناضلت ضد التمييز والأنظمة السياسية الشمولية. وقد شاء القدر أن أقود هذه الثورة الديمقراطية في تشيلي “.

اليوم، أصبح حزب “الثورة الديمقراطية” أحد أكبر الأحزاب في تشيلي. جنبا إلى جنب مع العديد من الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية الأخرى، شكل الحزب ائتلافًا سياسيًا ناجحًا بشكل غير متوقع، هو ائتلاف “الجبهة العريضة”. تمكن هذا الائتلاف من هز المشهد السياسي في البلاد، متحديا العديد من الجوانب التي توافق عليها النظام القائم ومحققا نجاحا هاما في انتخابات عام 2017.

يمنح النجاح الانتخابي الأخير لليسار التشيلي وزناً جديداً لذكرى سقوط الليندي من السلطة على أيدي انقلاب وحشي دعمته الولايات المتحدة. كيف يجب على هذا الجيل الجديد، الذي لم يشهد أغلبه لا حكومة الوحدة الشعبية في عهد الليندي ولا ديكتاتورية بينوشيه (Pinochet)، أن يشتبك مع وعود ومخاطر سلطة الدولة؟ وما هي الدروس التي يجب أن يستخلصها مشروع مثل “الجبهة العريضة” من تجربة الوحدة الشعبية – وما هو وجه الاختلاف اليوم؟ على الرغم من اختلاف الإجابات بين اليسار التشيلي الجديد، إلا أن استكشافها أمر حاسم لضمان استمرار ثورة الليندي الديمقراطية.

لماذا فشل الليندي؟

انحرفت رؤية الليندي للطريق التشيلي نحو الاشتراكية عن النموذج الكوبي، الذي كان معروفًا آنذاك، عن تمرد حرب العصابات. لقد حاول بدلاً من ذلك تحقيق نظام اقتصادي واجتماعي جديد دون القطع مع الديمقراطية الليبرالية، وفي الوقت نفسه الامتثال لنظام قانوني وقضائي ومتعدد الأحزاب. كان الاتحاد السوفيتي ينظر إلى حكومته بتشكك، حيث خشي أن تصبح نجاحها مثالًا يحتذى به في البلدان الواقعة تحت نفوذه للضغط من أجل المزيد من الحريات المدنية. كما كان ينظر إليها أيضًا بقلق من جانب الولايات المتحدة، التي رأت فيها إمكانية انتقال “العدوى الاشتراكية” إلى بلدان أخرى في المنطقة.

بأثر رجعي، يمكن اعتبار حكومة الليندي بمثابة اختبار نهائي لحدود أي مسعى انتخابي ديمقراطي اشتراكي. كما يمكن تعلم الكثير من كل من نجاحه الأولي وانهياره الأخير.

بعد ما يقرب من خمسة عقود من حكومة الوحدة الشعبية التي شكلها، لا يزال الليندي شخصية مركزية بين صفوف اليسار التشيلي. ومع ذلك، يفترق اليسار في تفسيره لسقوط الليندي، بين منظور ديمقراطي اجتماعي ومنظور ماركسي أكثر راديكالية أو كلاسيكية.

حلل منظرا الديمقراطية الاجتماعية آدم برزيورسكي (Adam Przeworski) وغوستا إسبنج أندرسن (Gøsta Esping-Andersen) حدود الطريق الانتخابي إلى الاشتراكية. سوف نجد أن وجهة نظر برزيورسكي، متخذا نموذج حكومة أليندي كدراسة حالة أساسية له، هي وجهة نظر متشائمة. حيث يرى أنه بما أن الأحزاب الاشتراكية، وخاصة في أوروبا الغربية، قررت التنافس على السلطة من خلال الانتخابات، فقد واجهت مشاكل لا يمكنها التغلب عليها، أحدها أنه نظرًا لأن البروليتاريا لم تتمكن من النمو إلى أغلبية مطلقة في أي مجتمع رأسمالي (وأن شريحة هامة من الطبقة العاملة لن تنحاز إلى الاشتراكيين)، فقد اضطرت الأحزاب الاشتراكية إلى الاختيار بين التمسك بالطهارة الطبقية أو توسيع خطابها بما يتجاوز التعريف الضيق للطبقة العاملة. وبالتالي، حين تخلت الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية عن هويتها كـ “حزب الطبقة العاملة” وأصبحت حزب “الجماهير، الشعب، الأمة، الفقراء، أو ببساطة المواطنين”، فقد انتهى بها المطاف أيضًا إلى التخلي عن جوهرها المتمثل في الصراع الطبقي والهوية الطبقية.

حتى عندما تمكنت الأحزاب الاشتراكية أو الديمقراطية الاجتماعية من الوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات، يقول برزيورسكي، يظل محكوما عليها بمواجهة معارضة العاصمة والطبقات الحاكمة. وبمجرد تنفيذ أي إصلاح يهدد للتراكم الرأسمالي بالخطر يتمكن الرأسماليون من مقاطعة الاقتصاد الوطني بنجاح من خلال “إضراب رأس المال” أو، كما حدث في مثال تشيلي، التخلي عن الديمقراطية تمامًا.

كذلك كان تشخيص إسبنج أندرسن قاتمًا حول احتمالات تحقيق الاشتراكية من خلال الانتخابات. حيث يعتبر أن حدود الاشتراكية الانتخابية هي بمثابة دعوة إلى حل وسط واقعي مع الطبقات الوسطى والنخب الرأسمالية. فتحقيق الاشتراكية، كما كانت متصورة في الأصل، ليست ممكنة عبر طريق ديمقراطي. ومن ثم يصبح على اليسار المساومة حول مواقفه البرنامجية، على الأقل في المدى القصير، إلى حين أن تتحقق الظروف الملائمة لإحداث التغييرات الرئيسية.

في هذا التفسير، كان خطأ الليندي هو مواقفه غير القابلة للمساومة. كان مشروع الليندي محكوما عليه بالفشل منذ البداية، لأنه حاول الضغط على الدولة الليبرالية أكثر من اللازم وبسرعة كبيرة. في السياق الشيلي، غالباً ما تُرجم هذا التفسير إلى افتقار أليندي للحوار مع المركز السياسي، الذي كان يهيمن عليه الديمقراطيون المسيحيون. هذا الحزب، الذي كان قويًا بشكل خاص بين الفلاحين، قدّم في البداية الأصوات البرلمانية اللازمة للتصديق على حكومة الليندي (الامر الذي كان ضروريا في حينها حيث أن الليندي حصل على أقل من 50 في المائة من الأصوات) ولكنه لاحقًا أيد الانقلاب (مع بعض الاستثناءات الملحوظة).

بعد سبعة عشر عاماً من الديكتاتورية التي أعقبت الانقلاب، دفع التفسير المذكور أعلاه حزب الليندي الاشتراكي إلى الاستنتاج بأن التحالف مع المركز السياسي هو وحده القادر إلى اعادته إلى السلطة. تفاوَض ائتلاف يسار الوسط هذا حول انتقال مؤسسي مع الديكتاتورية وقاد البلاد طوال العشرين عامًا التالية، ولم يتقدم سوى بحذر في تلك الجوانب التي اعتُبرت قابلة للتحقيق، نظرًا لأنها ضمنت توافقا مع المعارضة اليمينية.

هناك عدة أسباب لهذا التقارب بين الاشتراكيين والمسيحيين الديمقراطيين ودعمهم لـ “ديمقراطية التوافق” مع المعارضة اليمينية. كان أحد أهمها قبولاً صادماً لحدود ما كان ممكنًا في ظل المسار الديمقراطي للاشتراكية نتيجة رد الفعل الشرس الذي تجسد في ديكتاتورية بينوشيه.

وفي الوقت نفسه، لخص رالف ميليباند (Ralph Miliband) ما أصبح التفسير الرئيسي لسقوط الليندي في الأقسام الأكثر جذرية من اليسار. وفقًا لهذا التفسير، كان خطأ الليندي هو إصراره العنيد على اتباع المسار الرسمي والمؤسسي للدولة الليبرالية، حتى مع تغير الظروف بشكل كبير:

لم يكن الليندي ثوريًا إضافة إلى كونه سياسيًا برلمانيًا. لقد كان سياسياً برلمانياً ذو ميول ثورية صادقة. لكن هذه الميول لم تتمكن من التغلب على النهج السياسي الذي لم يكن مناسباً للأغراض التي أراد تحقيقها.

على وجه التحديد، انتقد ميليباند عدم رغبة الليندي تشجيع القوى الشعبية الموازية التي كان بإمكانها الدفع في اتجاه تغييرات جذرية. عندما بدأ معارضو الطبقة الحاكمة للرئيس يشعرون أن مصالحهم مهددة بشكل خطير، وبما أنهم فقدوا الثقة في استعادة السلطة من خلال الانتخابات (خاصة بعد الانتخابات التشريعية عام 1973)، أصبحت الحرب الطبقية حتمية. في تلك الظروف، كان الاعتماد على القوى المؤسسية للديمقراطية الليبرالية لاحتواء الطبقات الحاكمة، في أحسن الأحوال، أمرا ساذجًا للغاية.

يشير ميليباند إلى الزعيم الشيوعي لويس كورفالان (Luis Corvalán)، ودعمه لاستراتيجية تهدئة القوات المسلحة، كمثال على هذ العناد وفشله. كان كورفالان أحد الداعمين الرئيسيين للمسار الديمقراطي والتدريجي والمؤسسي نحو الاشتراكية. عندما تم الإطاحة بحكومة الليندي، سُجن ولم يُفرج عنه إلا من خلال تبادل الأسرى الذي تفاوض عليه الاتحاد السوفيتي. بعد إطلاق سراحه، أصبح كورفالان والحزب الشيوعي التشيلي من المؤيدين الصريحين لمسار التمرد. وقد حاول الحزب الشيوعي دون جدوى إسقاط بينوشيه بالقوة من السلطة ورفض الانضمام إلى حلفائه السابقين من الاشتراكيين في ائتلاف يسار الوسط الجديد حين تفاوضوا مع نظام بينوشيه على الانتقال المؤسسي نحو الديمقراطية.

على مدى العقدين التاليين لديكتاتورية بينوشيه، توافق اليسار التشيلي على موقف واحد: كانت حكومة الليندي، مهما كانت بطولية، محكوما عليها بالفشل منذ البداية. بالنسبة للبعض، كان مصيره محتومًا بسبب افتقاره إلى المساومة مع المركز السياسي. بالنسبة للآخرين، كان سقوطه ناجماً عن افتقاره لدعم الانتفاضة الشعبية والتمرد.

بناء عليه، هل كان مشروع الليندي محكومًا عليه بالفشل من البداية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان ذلك بسبب كونه راديكالي أكثر من اللازم وغير مستعد للحوار مع المركز السياسي، أم بسبب اعتداله ورفضه إنشاء قوة متمردة موازية؟

من ناحية، أولئك الذين يرزون عنصر عدم وجود حوار مع المركز يبالغون في تقدير مدى خضوع هذا الأمر لسيطرة الليندي نفسه. لقد حاول الليندي التواصل مع المسيحيين الديمقراطيين في عدة مناسبات، إلا أنه لم يكن لديهم أي مصلحة أيديولوجية أو انتخابية في التوصل إلى اتفاق ومساعدة الحكومة اليسارية على النجاح.

من ناحية أخرى، فإن أولئك الذين يؤكدون على عدم اهتمام الليندي بتشكيل قوة شعبية متوازية، وأحيانًا دوره النشط في قمع مثل هذا التنظيم، ربما يبالغون في تقدير القوة الحقيقية التي كان يمكن أن تكون لهذه الانتفاضة ضد الجيش المدرَّب نظاميا – وحلفائه في حكومة الولايات المتحدة. الأرجح أن مثل هذه الحرب الأهلية كانت ستنتهي بإراقة دماء ضخمة وتخلص إلى نفس النتيجة الاستبدادية.

ولعل الأهم من ذلك هو أن كلا التأويلين يفتقران إلى السياق التاريخي للتحالف السياسي لمشروع الليندي. لم تكن الوحدة الشعبية التي شكلها الليندي أول تحالف بين الاشتراكيين والشيوعيين للوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات. قبل بضع سنوات، كان هناك ثلاثة رؤساء شيليين مختلفين من تحالف الجبهة الشعبية. شمل هذا التحالف، عند تأسيسه، كلا من الاشتراكيين والشيوعيين، بقيادة الحزب الراديكالي الوسطي.

يعود الفضل لحكومات الجبهة الشعبية هذه في تأسيس العديد من المؤسسات الأكثر تقدمية في الدولة الشيلية. على سبيل المثال، يُعرف رئيسها الأول، بيدرو أغيري سيردا (Pedro Aguirre Cerda)، باسم “والد التعليم العام في شيلي”؛ كما أسست حكومة الجبهة الشعبية “تعاونية ترويج الإنتاج” (Corporación de Fomento de la Producción CORFO) التي أسست وتوسعت في ملكية الدولة في المجالات الاستراتيجية. بعد سنوات قليلة من حكم الجبهة الشعبية، لعبت الحكومة الديمقراطية المسيحية التي جاءت قبل الليندي دورًا رئيسيًا في تعزيز التنظيم النقابي، وتشجيع التنظيم الاجتماعي، وإجراء إصلاح زراعي كبير. كان برنامج الوحدة الشعبية، في بعض النواحي، استمرارًا جذريًا لعملية طويلة من التحول الديمقراطي الاجتماعي والسياسي التي بدأها دستور عام 1925 وتم تطويرها على مدار القرن العشرين.

كان هناك اختلاف سياسي هام بين حكومة الليندي وحكومة الجبهة الشعبية في علاقتهم بالمركز. على وجه الخصوص، كان الديمقراطيون المسيحيون، على عكس الراديكاليين، يمثلون مركزًا أيديولوجيًا اعتبر نفسه يسن موقفا مختلفًا عن اليمين واليسار. في الممارسة العملية، كان ذلك يعني، في زمن الليندي، طرح خيارين على اليسار: إنشاء ائتلاف مع ذلك المركز الأيديولوجي من شأنه التضحية ببعض الطابع الاشتراكي لمشروعهم، أو تحدي المركز، كما فعلوا.

ما يمكن ليسار اليوم أن يتعلمه من تجربة الليندي

في عام 2011، شهدت شيلي أكبر تعبئة اجتماعية لها منذ نهاية الديكتاتورية. قادت الحركة الطلابية هذه الانتفاضة الاجتماعية التي احتجت على النموذج التعليمي النيوليبرالي في تشيلي. وقد جسدت هذه التعبئة استياء عامًا من الطريقة التي أدت بها “ديمقراطية التوافق” بعد الديكتاتورية إلى تهميش المطالب القطاعية المتنامية بأن تلعب الدولة دورًا أكبر في ضمان جودة الصحة والتعليم والمعاشات التقاعدية.

في عام 2014، تم انتخاب قادة الطلاب الرئيسيين للبرلمان. ومعهم، أصبح جيل جديد لم يعش تجربة حكومة الليندي ولا ديكتاتورية بينوشيه فاعلا رئيسيا في الجدال الوطني. تمكنت القيادات الطلابية السابقة من بناء أحزاب سياسية جديدة (مثل حزب الثورة الديمقراطية وتشكيل الجبهة العريضة التي نافست في انتخابات عام 2017، وحصلت على نفس عدد الأصوات تقريبًا مثل مرشح يسار الوسط التقليدي وأكثر بكثير من الأصوات التي حصل عليها مرشح حزب الوسط المسيحي الديمقراطي.

سيكون من الخطأ تفسير هذه النتائج على أنها تجذر بين الناخبين الشيليين في الاختيار بين اليسار واليمين. هناك قطاعات متنامية من السكان لا تعرّف نفسها ببساطة على هذا المحور (وفقًا للمسوح الوطنية الرئيسية، زادت نسبة الأشخاص الذين لا يعرفون أنفسهم كيسار أو يمين من 11.5 بالمائة إلى 48.6 بالمائة بين عامي 1993 و2017). يختلف المشهد السياسي الحالي في شيلي اختلافًا كبيرًا عن مشهد الليندي. لقد أدت العملية الطويلة والفعالة لنزع الصبغة السياسية عن تطورات البلاد إلى ضعف الهوية اليسارية. وانخفضت معدلات التنظيم النقابي بدرجة كبيرة، ونظراً لقانون العمل الموروث من عهد بينوشيه، فإن النقابات القائمة ضعيفة نسبياً. لقد نشأت “الجبهة العريضة” في داخل الإطار المؤسسي لدستور بينوشيه في الثمانينات وعملية طويلة من نزع الطابع السياسي عن السياسة. في مثل هذا السيناريو المختلف، ما الذي يمكن للتحالف الذي تم تشكيله حديثًا أن يتعلم من تجربة الوحدة الشعبية؟

قد يكون سياق اليوم أكثر شبهاً بالجبهة الشعبية من سياق الوحدة الشعبية. بعد الفوضى التي خلفها نظام بينوشيه، يصبح أول تحد سياسي للقوى التقدمية اليوم هو بناء عملية دمقرطة والتغلب على تركة الديكتاتورية. ومن ثم فإن مشروع تشكيل دستور جديد، يتم وضعه في ظل نظام ديمقراطي ومن خلال آلية ديمقراطية، مثل الجمعية الدستورية، يصبح له أهمية خاصة في لتلك الصراعات. في هذه العملية، قد يكون من الضروري حتى عقد التحالفات العملية، كما يتجسد ذلك في ضم حزب الجبهة الواسعة للحزب الليبرالي ذو التوجه “الوسطي التقدمي”.

على المدى البعيد، لا يزال يتعين الإجابة على مسألة حدود المسار الديمقراطي نحو الاشتراكية. التحدي الرئيسي هو إيجاد طريقة للمناورة في الملعب المؤسسي مع الحفاظ على اتصال قوي بالحركات الاجتماعية. عاجلاً أم آجلاً، سيتعين على الجبهة العريضة أن تجد سبيلا للالتقاء مع الأحزاب الاشتراكية والشيوعية التقليدية إذا كانت تتطلع إلى تجاوز عتبة الـ 50 بالمائة وتصبح أغلبية. إن تحقيق ذلك دون ان يخسروا ما ميزهم على الساحة السياسية في المقام الأول هو أمر ضروري لكنه لن يكون سهلاً.

إن الدرس الأكثر أهمية المستفاد من حكومة الوحدة الشعبية هو أن الوصول إلى السلطة ليس نهاية الطريق. لا يزال هناك سؤال رئيسي حول إمكانية استمرار حكومة ديمقراطية جذرية بمجرد أن تبدأ في تهديد مصالح النخبة. حيث ان برنامجا محدودا للإصلاحات الديمقراطية والاجتماعية سوف يواجه بمعارضة قاسية (من خارج وداخل الائتلاف الحاكم).

سيتعين على الائتلاف الاشتراكي الحاكم أن يكون قادرًا على خسارة الانتخابات وقبول كونه سيواجه فترات يكون فيها في الحكم وفترات اخرى خارجه. إن الطريقة الوحيدة التي قد تجعل المعارضة المحافظة تتسامح مع برنامج تحولي دون تجاوز الحكم الديمقراطي المؤسسي هي أن يعتقدوا أنهم قد يفوزون في انتخابات مستقبلية. في بعض النواحي، كان سقوط الليندي ناجماً عن الضعف الانتخابي لخصومه. بمجرد أن أدركوا أنه من غير المرجح أن يستعيدوا السلطة من خلال الانتخابات، شنوا حربا طبقية شاملة.

إن المسار الديمقراطي الطويل نحو الاشتراكية يجب أن يشمل بالضرورة انتكاسات وخسائر انتخابية. وبهذا المعنى، يجب أن يشمل الطريق الديمقراطي نحو الاشتراكية تأكيدا وحرصا على ان تصبح بعض التغييرات التي تحققت أثناء الوجود في السلطة “واقعا جديدا”، يكتسب مستوى من الشرعية بحيث لا يمكن للمعارضين المحافظين تعديله حتى في حال فقد التحالف موقعه في السلطة.  بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن للائتلاف السياسي أن ينتهي حين يصبح خارج الحكومة. ذلك ان القدرة على التعبئة سواء من موقع السلطة أو المعارضة هو امر بالغ الأهمية.  قد تأتي حكومة الجبهة الواسعة أو تذهب، ولكن يجب أن يكون الطريق الديمقراطي الناجح إلى الاشتراكية قادراً على التحمل والاستمرار.

في 11 سبتمبر 1973، وبينما كان يحدث الانقلاب وكانت الطائرات تقصف المكاتب الحكومية، تمكن الليندي من إلقاء كلمته الأخيرة، التي بثتها إذاعة ماجالانيس (Magallanes)، قبل تدمير هوائياتها. بعد مرور 46 عامًا، لا يزال يتردد صدى كلماته وإرثه: “إنهم يتمتعون بالقوة، ويمكنهم تجاوزنا، لكن العمليات الاجتماعية لا تتوقف بالجريمة أو القوة. التاريخ لنا والشعب يصنعه “.

*نشر المقال باللغة الانجليزية على موقع جاكوبين 

You might also like