Take a fresh look at your lifestyle.

الربيع العربي يعود للحياة في الجزائر

حوار مع دكتور حمزة حمو شان



تعيش الجزائر في خضم لحظة ثورية. لكن بعد الإطاحة بالدكتاتور عبد العزيز بوتفليقة في الربيع الماضي، يجب الآن على الحركة أن تجد طريقة لإعادة القضية الطبقية إلى مركز السياسة أو أن تخاطر بمشاهدة اللحظة الثورية وهي تضيع.

أجراه: شيرين أكرم بوشار وبريان بين

ترجمة: دينا سمك

منذ فبراير، والشعب الجزائري يخوض ثورة ملهمة ضد النظام الديكتاتوري لعبد العزيز بوتفليقة وسياساته الرأسمالية الفاسدة. ومع الثورة في السودان، تمثل الانتفاضة الجزائرية موجة جديدة من العملية الثورية للربيع العربي. فبعد مظاهرات حاشدة ضد استمرار حكم الديكتاتور أدت إلى خروج الملايين إلى الشوارع، سرعان ما تبلورت حركة شعبية (حراك شعبي)، أطاح ببوتفليقة في أوائل أبريل.

ومنذ ذلك الحين، استمرت المظاهرات المعارضة للجيش، الذي أحتفظ بالسلطة على البلاد بحكم الأمر الواقع. أحبطت الحركة محاولات إجراء انتخابات مبكرة في وقت سابق من هذا الصيف بفضل الاحتجاجات الأسبوعية الواسعة والعصيان المدني، لكن مع ذلك لا تزال الحركة الحالية في مأزق مع الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش الجزائري.

في هذا المنعطف الحاسم، تحدثت شيرين أكرم بوشار وبريان بين مع حمزة حموشان، الباحث والناشط الجزائري، عن الثورة والدروس التي يجب استخلاصها حتى الآن، وما الذي ينتظر الحراك الشعبي. الدكتور حموشان، الذي يتخذ من لندن مقراً له، هو عضو مؤسس في حملة التضامن مع الجزائر (ASC) وحملة العدالة البيئية في شمال إفريقيا (EJNA) وله الكثير من الكتابات عن المنطقة.

مرت أربعة أشهر منذ أن أُجبر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة. تواصلت احتجاجات أيام الجمعة في الجزائر، مطالبة بتشكيل حكومة مدنية في مواجهة تزايد القمع.  واضطر النظام إلى إلغاء خطط لإجراء انتخابات في شهر يوليو، حتى بعد انتهاء مدة ولاية الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح. ما هو الوضع الحالي للحركة الثورية في الجزائر؟

لقد مر أكثر من ستة أشهر على بدء الانتفاضة الشعبية في الجزائر، وعلى الرغم من الحرارة الحارقة في أشهر الصيف، لا تزال الحركة تدفع إلى الأمام من خلال الاحتجاجات الأسبوعية. فقد شهد يوم الجمعة الماضي (9 أغسطس 2019) مسيرة الجمعة الأسبوعية الرابعة والعشرين، حيث واصل ملايين الجزائريين من جميع أنحاء البلاد الاحتجاج والمطالبة بتغيير ديمقراطي جذري. ولا تزال الحركة الطلابية تنظم احتجاجات ومسيرات كل يوم ثلاثاء كما كانت منذ فبراير. كما توضح شعاراتهم، فإن الجزائريين مصممون على مواصلة ثورتهم ووضع حد لحيل وتلاعب القوات المعادية للثورة، بقيادة القيادة العسكرية العليا، ولا سيما اللواء قايد صالح.

الشعارات واضحة ومباشرة: “دولة مدنية وليست عسكرية”، “جمهورية، لا ثكنة عسكرية”، “قايد صالح مع الخونة”، وغيرها من الشعارات الأخرى المعادية لقائد أركان الجيش الجزائري وإصراره على إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن. يدرك الجزائريون أن الانتخابات دون فترة انتقالية ستعني العودة إلى الوضع الراهن وانتصار الثورة المضادة. على مدار شهور مضت، حاولت الدولة تقسيم الحركة واستنفاد قوتها وخنقها، وتعبئة وسائل إعلامها والدعاية عبر الإنترنت ضد الثورة ومحاولة والتلاعب بها، ومواصلة استخدام الأساليب القمعية تجاه المحتجين بما في ذلك العنف الجسدي والاعتقالات والسجن.

انخفضت أعداد المتظاهرين في الشوارع مقارنة بشهري مارس وابريل، بسبب الارتفاع الشديد في درجات الحرارة وهو أمر مفهوم، لكننا ما زلنا نرى الملايين في الشوارع، وبعض أيام الجمعة تشهد حشودا كبيرة مثل تلك التي شهدناها في الربيع. كان هذا هو الحال يوم الجمعة 5 يوليو، الذي تزامن مع الذكرى السابعة والخمسين لاستقلال الجزائر من الحكم الاستعماري الفرنسي. أضافت رمزية اليوم قوة إلى المطالب الشعبية بالحرية والسيادة والعدالة. ربط المتظاهرون الوضع الحالي بالموقف الاستعماري وطالبوا بالاستقلال عن الاستعمار الجديد الذي فرضته عليهم النخب الفاسدة التي سهلت نهب بلادهم.

على المرء أن يعترف بالنصر عندما يرى واحدا. لم تتم الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر إجراؤها في 4 يوليو، وذلك بفضل تصميم الحركة الشعبية ومثابرتها. لا يزال الرئيس المؤقت بن صالح مستمرا في منصبه، وإن قال البعض أن بقاءه غير دستوري، وبمباركة الدكتاتور العام قايد صالح الذي يريد، باسم الدستور، فرض انتخابات على الشعب الجزائري.

النظام العسكري الجزائري يحاول كسب الوقت، حيث يراهن على أن تكتيكاته سوف تضعف الحركة. حتى الآن، لم تنجح هذه الخطط.. حتى التكتيك القديم المتمثل في استخدام فتوحات الفريق الوطني لكرة القدم لإخماد المعارضة قد فشل. رغم أن النظام حاول كسب ولائهم، فإن الشعارات والهتافات من مشجعي كرة القدم الجزائريين، عندما فاز الفريق بالبطولة الأفريقية، كانت تدعم الثورة المستمرة. قبل كل شيء، جاءت ترانيم مظاهرات فبراير الأولي من ملاعب كرة القدم.

في الأسابيع القليلة الماضية، كان هناك تحول من التركيز على الحاجة إلى فترة انتقالية حقيقية إلى الحاجة إلى الحوار مع النظام. ظهرت عدة مبادرات لتسهيل هذا الحوار (أو بدقة أكبر، المونولوج). ومع ذلك، فإن هذه المبادرات، بما في ذلك مثال جهود الوساطة والحوار التي قادها رئيس سابق للبرلمان ومؤتمر 6 يوليو بقيادة دبلوماسي سابق ووزير، قد تم رفضها من قبل الناس الذين يرون أنها خدعة لصرف الانتباه عن القضية الحقيقية ألا وهي التغيير الجذري للنظام الحالي.

باختصار، لا تزال الثورة الجزائرية على قيد الحياة، وهناك دلائل على أنها سوف تصبح أكثر جذرية وسوف تدخل مرحلة تصعيد جديدة. يتضح هذا في الشعار الجديد الذي تم سماعه في عدة أماكن في الأسبوعين الأخيرين: “العصيان المدني قادم”. يشير هذا الهتاف بقوة إلى الاستعداد لتصعيد المقاومة. لقد حان الوقت لكي يتحد القادة والمنظمات التقدمية للاستفادة من هذه الفرصة ونقل الانتفاضة إلى مرحلتها التالية. يجب تنظيم العصيان المدني والإضرابات في إطار مطالب محددة بوضوح. يجب أن تجد الحركة وفاعلياتها التعبير السياسي في برنامج جذري واستراتيجية متماسكة قادمة من الناشطين ذوي العقلية الثورية والنقابيين وغيرهم من القيادات. لا يمكننا تحمل انتكاسة، لأن الفضاء الديمقراطي يتقلص أسبوعًا بعد أسبوع. يجب أن نواصل النضال من أجل الحقوق الديمقراطية وكذلك الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويجب أن نطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي. الطريق طويل، لكنني متفائل.

في حين تتميز الثورة الجزائرية بطابعها الأفقي التلقائي، فقد لعب العمال دوراً حاسماً فيها. لعبت النقابة الرسمية الجزائرية، أي الاتحاد العام للعمال الجزائريين (UGTA)، دورًا متناقضًا، إلا أن النقابات المستقلة أيدت الحركة منذ بدايتها. هل يمكن أن تخبرنا عن القطاعات الأكثر نشاطًا والمكاسب التي حققتها، والنقابات المختلفة المنخرطة في الحراك، والكفاح لاستعادة النقابات من بيروقراطيتها المؤيدة للنظام؟

تلعب النقابات العمالية دوراً بالفعل وتشارك في الديناميكية الثورية الحالية، ولكن على عكس تونس والسودان، فإن دورها كان محدوداً للغاية، وهذا في المقام الأول لأنه قد تم إضعافها بشكل كبير خلال العقود القليلة الماضية.

الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وهو أكبر نقابة عمالية في الجزائر، تابع للنظام ولعب دورًا رجعيًا ضد مصالح العمال. توجد حاليًا حركة داخل هذا الاتحاد لاستعادته والاطاحة بقيادته الفاسدة والموالية للنظام. واحتج النقابيون في عدة مناطق خلال فصل الصيف، مما أجبر الأمين العام على التنحي، إلا أن بديله ليس أفضل منه. يجب تعزيز الجهود لاستعادة هذا الاتحاد من البيروقراطية الموالية للنظام. هذا من شأنه أن يعطي قوة دفع للعملية الثورية الحالية، ويزيد من مشاركة العمال في الانتفاضة، ومن المحتمل أن يأخذ الثورة إلى مرحلتها التالية من التصعيد.

بالنسبة لنقابات العمال المستقلة، فقد شاركت في الانتفاضة منذ اليوم الأول، حيث نظمت اضراباتها ومسيراتها. نظمت النقابات في قطاعي الصحة والتعليم إضرابات واحتجاجات تضامنا مع الحركة الشعبية والمطالبة بحقوق العمال. كان للإضراب العام في الأسابيع القليلة الأولى من الانتفاضة دور فعال في إجبار بوتفليقة على التنازل كما هز التحالفات داخل الطبقة الحاكمة. المسيرة الهائلة في 1 مايو (عيد العمال) أيدت بوضوح الحراك الثوري. المحامون وجمعيات القضاة دعموا الحراك برفضهم الإشراف على أي انتخابات يتم تنظيمها في ظل النظام الحالي. الطلاب أيضا يعملون على تنظيم أنفسهم على المستوى الوطني.

ومع ذلك، هناك تحديات كبيرة. في المرحلة الحالية التي ترفض فيها القيادة العسكرية العليا أي فترة انتقالية وتصر على إجراء انتخابات رئاسية بشكل عاجل، فإن المشكلة هي أن النقابات المستقلة لا تقوم بحملة من أجل إضراب عام من أجل إجبار الجيش على التنازل كما كان الحال في السودان. وبدلاً من ذلك، يدعو اتحاد للنقابات المستقلة إلى انتقال ديمقراطي قصير لمدة ستة أشهر فقط، وهناك آخرون يدعون للحوار حتى أنهم اقترحوا قائمة بالأسماء للتفاوض مع النظام. هذه الاستراتيجية ضارة بالعملية الثورية وتجعلها لعبة في يد الثورة المضادة. ولكن مع كل ما قلت، فإنني أتوقع أن يشهد شهري سبتمبر وأكتوبر تصاعدا في الحركات العمالية والاجتماعية بسبب الأزمة الاقتصادية المتنامية.

ترتبط الديناميكية الأفقية للانتفاضة جزئياً بنقص ثقة الحركة في القيادة من القوى السياسية الأخرى. فقد كانت جماعة الإخوان المسلمين (حركة المجتمع والسلام) مشاركة في الحكومة ودعمت النظام منذ أواخر التسعينيات. حتى حزب العمال اليساري  لعب دور “المعارضة المخلصة” لبوتفليقة، حتى أعاد تقديم موقفه مؤخرًا باعتباره دفاعًا عن مناهضة بوتفليقة المفترضة للإمبريالية. لذلك كله، فمن المنطقي أن يكون رد الفعل تنظيمًا أفقيًا ورفضًا للتسلسل الهرمي. لكننا رأينا المحدودية الشديدة لـ”الحركات بلا قيادة” منذ ثورات 2011، وخاصة مصر. كيف تتعامل الحركة في الجزائر مع هذا، وهل بدأت قيادة ناشئة في التبلور بين الحركة الطلابية والانتفاضة الأوسع؟

أنتما محقان. هناك انعدام ثقة كبير في السياسة الحزبية والنخب السياسية بشكل عام. ويرجع هذا لأسباب مختلفة، بما في ذلك الأسباب التي ذكرتماها حول المشاركة/المواءمة بين بعض الأحزاب السياسية من خلال/ مع النظام. يجب علينا أن نتذكر أيضًا أن نظام الانقلاب بعد عام 1992 أرعب المجتمع ودمر مكونات التفاعل في المساحات المدنية، كما استمرت سنوات بوتفليقة في تقليص أحزاب المعارضة وإضعافها بشكل كبير، مما جعل المشهد السياسي قاحلاً للغاية بالفعل.

هناك بعض المبادرات من منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب السياسية التي تحاول التعبير عن الحركة السياسية اليوم ولكنها حتى الآن خجولة وقصيرة الأجل، مما يعكس الأزمة الحادة للقيادة والشرعية التي تعاني منها البلاد. لذلك فعلى الرغم من مرور ستة أشهر من الصراع، فإن الحركة تكافح من أجل تنظيم نفسها وتشكيل قيادة قوية وتمثيلية يمكن أن تزودها برؤية واستراتيجية واضحة. في الواقع، لا يوجد أي استعداد للقيام بذلك تقريبًا خوفًا من انتقام النظام أو احتوائه لهذه القيادات.

شخصيات المعارضة المعروفة التي ما زالت تتمتع ببعض الاحترام تخجل من دعوة الناس إلى التنظيم والبناء. أما فيما يتعلق بالحركة الطلابية، فهناك محاولات للهيكلة والتنظيم، لكنها أثبتت حتى الآن أنها صعبة وبطيئة.

هذه “الشخصية الفضفاضة بلا قيادة” للانتفاضات هي كعب أخيل وتعتبر تحجيما خطيرا للموجة الأولى والثانية من الانتفاضات العربية. يجب فهم طريقة التنظيم هذه – أو بتعبير أدق، عدم وجوده – في سياق معمم لنزع الجذرية من حركات المعارضة في المنطقة.

أعتقد أن أحد الدروس المستفادة من إخفاقات الانتفاضات العربية هو أننا يجب أن نميز، كما فعل الباحث آصف بيات، بين “الثورة كحركة” و”الثورة كتغيير”. هذه الثورات، مثلها مثل معظم المواقف الثورية في التاريخ، أطلقت طاقة هائلة، شعورا لا يضاهى بالتجديد، وتحولا في الوعي. من حيث الحركة الشعبية والتعبئة الجماهيرية، كانت ثورات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ثورية، لكن من حيث الاستراتيجية والرؤية كان لها مسار إصلاحي. قد يثبت السودان أنه الاستثناء، لكن كما رأينا من التطورات الأخيرة في السودان، فإن وجود منظمة قيادية ذات رؤية واستراتيجية لا يجعل النصر حتمياً، حيث لا يزال الجيش متمسكًا بعنف بالسلطة.

تفتقر ثورات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نوع الجذرية الذي شهدته الثورات السابقة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، حيث تم التعبير عن المشاعر المعادية للرأسمالية والإمبريالية بوضوح شديد من خلال رؤى واضحة المعالم. إن ثوار “الربيع العربي”، أثناء ممارستهم التعبئة الجماهيرية لأول مرة منذ عقود، منشغلون بشكل أكبر بالقضايا العريضة لحقوق الإنسان الفردية، والمساءلة السياسية، ومكافحة الفساد، والإصلاح القانوني، ويميلون إلى فصل السياسة عن الاقتصاد. هذا الافتقار إلى الجذرية ينعكس في غياب الرؤى الاستراتيجية والبرامج الملموسة والتنظيم الفعال.

ما السبب؟

لا تتغلغل الرأسمالية النيوليبرالية في جميع جوانب حياتنا وتفرض الامتثال لشروطها فحسب، ولكنها أيضًا تحدد شكل المعارضة وكيفية التعبير عنها. بعبارة أخرى، غيرت الليبرالية الجديدة طبيعة السياسة الراديكالية وانتزعت الجذرية من المعارضة. وقد حدث ذلك من خلال تغلغل مفاهيم السوق الحرة والمجتمع المدني والحقوق الفردية إلى جانب  أنجزة المقاومة، على حد تعبير أرونداتي روي.

أحد الأسئلة الأساسية التي نحتاج إلى طرحها على أنفسنا هو: هل الانتفاضة الجزائرية ثورية بما يكفي للوقوف في وجه أخطار الثورة المضادة وسعيها لاستعادة النظام؟ فيما يتعلق بـ “الثورة كحركة”، يمكن أن تكون الإجابة نعم، ولكن فيما يتعلق بـ “الثورة كتغيير”، قد تكون الإجابة للأسف “لا”.

من الواضح أنه للتغلب على الثورة المضادة المنظمة والراسخة، هناك حاجة إلى منظمات ثورية متماسكة ذات قيادة قوية ورؤى استراتيجية.

واجهت الانتفاضات المختلفة في المنطقة المؤسسة العسكرية. في كثير من الحالات، حاول الجيش تهدئة الأزمة الثورية بطرد رئيس الدولة. في نفس الوقت الذي عمل فيه العسكريون على تقليص الانتفاضات ومنع استمرار التجذر، ظل الجنرال أحمد قايد صالح يحرك الخيوط منذ الإطاحة ببوتفليقة. وقد قال ذات مرة إن فكرة تشكيل حكومة مدنية كانت “فكرة سامة” يحملها “الخونة”. كما أن للجيش الجزائري تاريخًا في القمع العنيف للانتفاضات الماضية، بما في ذلك الانتفاضة الجزائرية عام 1988 ونضال القبائل المتمتعة بالحكم الذاتي في عام 2001، بغض النظر عن دوره القاتل في حرب التسعينات القذرة. هل يمكنك أن تقول المزيد عن المؤسسة العسكرية وما الذي تمثله للجزائريين اليوم؟

احتلت المؤسسة العسكرية مكانة خاصة في الحياة السياسية في الجزائر منذ استقلالها في عام 1962. كان البلد يحكمها دائمًا نظام عسكري، أحيانًا بشكل مباشر، أو من خلال واجهة مدنية أو تحالف مع المدنيين في عهد بوتفليقة. لا تزال المؤسسة العسكرية تتمتع بشرعية معينة في الخيال الشعبي باعتبارها “السليل المباشر” لجيش التحرير الوطني الذي خاض حربًا بطولية ضد المستعمرين الفرنسيين. الواقع أكثر تعقيدًا، وهذه الرواية المهيمنة تناقضها تفسيرات أخرى للأحداث التاريخية التي وقعت أثناء الحرب وبعدها. لا تزال تفسيرات التاريخ المتضاربة قائمة حتى يومنا هذا، بما في ذلك الشعارات والذكريات التي يتم استدعائها لإضفاء الشرعية على مطالب الحراك. لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لإزالة الغموض عن هذا التاريخ.  محمد الحربي قام ببعض ذلك في كتابه “جبهة التحرير الوطني: السراب والواقع”.

دعنا نعود إلى المؤسسة العسكرية اليوم. أحد الأشياء التي تستحق التفكير هو الطريقة التي عسكرت بها المؤسسة المجتمع الجزائري وأصبحت مؤسسة محل خوف كبير من الناس. عندما نشأت في الجزائر، كان الحديث عن الشرطة السرية العسكرية موجودًا في كل مكان. خلق هذا جوًا من عدم الثقة العام بين الجزائريين، يضاف إلى قمع الانتفاضات المختلفة والقسوة والهمجية التي خلفتها حرب التسعينيات البغيضة.  ومن المفهوم لماذا تريد الحركة الشعبية الحالية تجنب المواجهة مع الجيش. لكن الجزائريين يميزون بين القيادة العسكرية العليا والجنود والضباط الصغار، ومعظمهم ينتمون إلى الطبقات الشعبية. لم تكن هذه البرجوازية العسكرية متواطئة في نهب ثروات البلاد ومواردها فحسب، بل هي أيضًا لاعب فاعل في الإثراء الفاضح والطفيلي للقلة.

في الأسابيع القليلة الأولى من الحركة الشعبية، كان هناك أمل تقريبًا ساذج في أن يقف الجيش إلى جانب مطالب الحركة. كان المتظاهرون على استعداد لمنح قايد صالح فرصة لافتداء نفسه، وهو أمر تلاعب به لفرض أجندته وإزاحة أعدائه عن النظام. يرفض الديكتاتور العام أي تنازلات بما في ذلك إطلاق سراح السجناء السياسيين، وضمان حرية التعبير الفردية والجماعية والتنظيم، أو السماح بفترة انتقالية، ويتهم أي شخص لديه آراء مختلفة بأنه خائن ويسعى لزعزعة الاستقرار. ومع ذلك، أعتقد أن الجناح الحاكم يخطئ ويبالغ في تقدير دعايته ودهائه. صحيح أنه على عكس البلدان الأخرى في المنطقة، لم يقم الجيش بإطلاق أي رصاص حتى الآن، لكنه يواصل تبرير الإجراءات القمعية مثل منع الوصول إلى العاصمة يوم الجمعة وسجن الناشطين الذين يرفعون العلم الأمازيغي. في الوقت نفسه، يقوي قايد صالح من مركزه بتعيين أشخاص مقربين منه في مناصب السلطة والنفوذ.

في الأسابيع القليلة الماضية، شهدنا عداء متزايدًا تجاه قايد صالح. بعض قطاعات المجتمع تعتبره بالفعل العقبة الرئيسية التي تواجه الحراك. هتف الناس في عدة بلدات حول البلاد: “يا قايد اسمع، نحن نريد دولة مدنية وليست دولة عسكرية”، “يا قايد، أنت شخص مخادع، توقف عن اللعب بنا؛ لقد سبق أن قلنا جميعهم سيتم اسقاطهم”، “عرب أو قبائل/ أمازيغ، نحن إخوة وأخوات، قايد صالح مع الخونة “.

الجماهير الشعبية محبطة للغاية، وهذه علامات ملموسة على التصعيد المقبل في المقاومة.

أثارت الانتفاضة في الجزائر بشعاراتها وصورها وروحها النضال المناهض للاستعمار ضد الفرنسيين. ومن المفارقات أن الثورة الآن تستهدف نظام جبهة التحرير الوطنية الذي قاد تلك المعركة قبل عقود. هل يمكن أن تتحدث أكثر عن الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا المسار للنضال ضد الاستعمار – الذي ألهم إنشاء فتح، الذي كان يضم بين صفوفه الفهود السود، وأشاد به مالكولم إكس، وكان ينظر إليه على أنه عاصمة ما يسمى بالعالم الثالث – والذي أصبح نظامًا استبداديًا مدمجًا في نظام عالمي يحتاج إلى الإطاحة به من قبل الجماهير من الأسفل؟

نعم، إحدى الخصائص الفريدة للانتفاضة الجزائرية – في شعاراتها وصورها وروحها – هي أنها ضاربة بجذورها في النضال المعادي للاستعمار ضد الفرنسيين. من الواضح أن كفاحا من أجل إنهاء الاستعمار لا يزال مستمراً، وما زال الجزائريون يطالبون بالسيادة الشعبية التي لم يستردوها عندما حققوا الاستقلال الرسمي في عام 1962.

على الرغم من أنني لم أولد في الجزائر في “السنوات الذهبية” (الستينيات والسبعينيات)، إلا أنني أشعر بالحنين إلى هذا العصر الذي شهد هدفا ورؤية واضحة. مع ثقل نضالها الطويل من أجل الاستقلال والذي كان بمثابة نموذج لعدة حركات تحرر في جميع أنحاء العالم في الستينيات والسبعينيات، أصبحت العاصمة الجزائرية كعبة لجميع الثوريين. وكما أعلن أميلكار كابرال في مؤتمر صحفي في أول مهرجان لعموم أفريقيا الذي عقد في الجزائر العاصمة في عام 1969: “امسك قلمًا ودون: المسلمون يحجون إلى مكة والمسيحيون إلى الفاتيكان وحركات التحرر الوطني إلى الجزائر العاصمة!”

في الستينيات، كانت الجزائر نقطة مركزية للتضامن العالمي ضد الاستعمار، والاستعمار الجديد، والتفوق العنصري للبيض، كما لعبت أيضًا دورًا رئيسيًا في الخطابات القومية الإفريقية واحتلت مكانًا مهمًا في تحديد معالم وخطاب وأفكار فروع رئيسية لحركة التحرر الأمريكية الإفريقية. وقد قالت فرانس كوفينجتون ذات مرة: “إذا كان كتاب فانون معذبو الأرض هو دليل الثورة السوداء، فإن معركة الجزائر كانت نظيرها السينمائي”.

لسوء الحظ، فإن التجربة الجزائرية الثورية ومحاولتها الانفصال عن النظام الإمبريالي – الرأسمالي قد هُزِمَت، سواء بواسطة القوى المعادية للثورة أو بسبب تناقضاتها  الداخلية. لقد كانت التجربة تحمل بذور فشلها الخاص منذ البداية: فقد كان مشروعا من أعلى إلى أسفل، استبدادي، وبيروقراطي للغاية، وإن كان مع بعض إعادة التوزيع التي حسنت بشكل كبير سبل معيشة الناس. على سبيل المثال، تم تقويض التجارب الإبداعية والمبادرات العمالية للإدارة الذاتية للستينيات والسبعينيات بسبب بيروقراطية الدولة التي أصابتها بالشلل، وفشلت في إشراك العمال حقًا في السيطرة على عمليات الإنتاج. كان هذا الافتقار إلى الديمقراطية مصحوبًا بتسلق برجوازية كومبرادورية كانت معادية للاشتراكية وتعارض بشدة إصلاح الأرض الحقيقي. بحلول الثمانينيات، كانت الثورة المضادة لليبرالية العالمية بمثابة المسمار في نعش الثورة التي بدأت في عصر التراجع عن التصنيع والانخراط في سياسات السوق على حساب الطبقات الشعبية. لقد أعلن كبار رموز الأرثوذكسية النيوليبرالية الجديدة أن كل شيء للبيع وفتحوا الطريق للخصخصة.

لقد تنبأ فانون بمسار الأحداث هذا. لقد حذرنا من البرجوازية الوطنية التي ستخون الجماهير، وتوقف التحرر، وتؤسس نظاما وطنيا من الطغيان والاستغلال، يشبه نظام نظيرتها الاستعمارية. لاحظ فانون عن حق كيف أن الوعي القومي يمكن أن يؤدي بسهولة إلى “صرامة متجمدة”، تكتفى باستبدال الأسياد البيض المغادرين بنظير ملون، ثم حثنا على اتخاذ خطوات سريعة بعيدا عن الوعي الوطني في اتجاه الوعي السياسي والاجتماعي لتجنب هذا الانحدار.

هذه البرجوازية الوطنية المزعومة المسلحة بالشرعية الشعبية، أدارت ظهرها لحقائق الفقر والتخلف، وكانت مشغولة فقط بملء جيوبها وتحقيق الأرباح الهائلة التي احققها من خلال استغلال الشعوب. في الجزائر، كان للبرجوازية العقيمة وغير المنتجة (بما في ذلك الجيش) اليد العليا في إدارة شؤون الدولة وتوجيه خياراتها الاقتصادية. هذه النخبة هي أكبر تهديد لسيادة الأمة لأنها تبيع الاقتصاد للعواصم الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات وتتعاون مع الإمبريالية في “حربها على الإرهاب”، وهي ذريعة أخرى لتوسيع نطاق الهيمنة والبحث عن الموارد. لقد تخلت هذه البرجوازية عن مشروع التنمية الذاتية الذي بدأ في الستينيات والسبعينيات، ولم تتفاوض حتى من أجل الحصول على مكاسب من الغرب، مثل الاستثمارات التي تعود بالفائدة على اقتصاد البلاد. وبدلاً من ذلك، فإن البرجوازية الوطنية تقدم تنازلاً تلو الآخر للخصخصة العمياء والمشاريع التي ستقوض سيادة البلاد وتعرض سكانها وبيئتها للخطر – ويعتبر استغلال الغاز الصخري والموارد البحرية مثالاً على ذلك.

إذا كانت هناك بعض الدروس التي يجب تعلمها مما حدث في الجزائر منذ الاستقلال، فإن بعض هذه الدروس هي:

ـ لا يمكننا الاعتماد على البرجوازية الوطنية

ـ للقومية حدودها ويجب تجاوزها من خلال مشروع اشتراكي يضع العمال والفلاحين والطبقات الشعبية في القلب منه وعلى رأس قيادته، دون خنق قدرتهم على التعبير والمبادرة.

ـ لا تثق في جنرال أو عقيد، مهما بدا مستنيرا.

ـ أخيرًا، يجب علينا إعادة النظر في الماضي واستجواب تاريخ السنوات الخمسين الماضية وتعلم الدروس من الأخطاء التي حدثت.

ـ أمام اليسار الراديكالي والثوري مهمة ضخمة ألا وهي وضع القضية الاجتماعية والاقتصادية في قلب النقاش حول البدائل وضخ تحليل طبقي في الحركة الواسعة، من خلال دفع النقابات العمالية لتكون أكثر نضالية وأن تقف فعلا في جانب المصالح العمالية، والعملية الثورية بشكل عام.

*نشر الحوار لأول مرة باللغة الانجليزية على موقع جاكوبين وينشر بالأحمر ترجمته العربية بموافقة الكاتب 

You might also like