Take a fresh look at your lifestyle.

اليسار الراديكالي في اليونان: هل حان الوقت لإعادة تأسيسه؟

كتب : وستاس لابافيتساس و ستاثيس كوفيلاكيس
ترجم : عايدة سيف الدولة


بعد 4 سنوات في السلطة، هُزمت سيريزا في كلتا الانتخابات الأخيرة، متخلفة عن حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ في كل منهما. في هذه المقالة التي كتبت في أعقاب الانتخابات الأوروبية ولكن قبل إعلان النتائج، يتأمل اثنان من الأعضاء البارزين في اليسار اليوناني كوستاس لابافيتاس وستاثيس كوفيلاكيس في أسباب هزيمة سيريزا وما سوف يحتاجه اليسار الراديكالي للفوز بالسلطة مرة أخرى.


التحول نحو اليمين

كانت نتائج الانتخابات الأوروبية الأخيرة هي النتيجة الطبيعية لهزيمة سيريزا (SYRIZA) المشينة في صيف عام 2015. لم تواجه سيريزا الغضب الفوري الذي عانت منه الحكومات السابقة. على العكس من ذلك، كان الإعلان عن البرنامج الثالث  (للمساعدات الأوروبية لليونان وما ترتب عليه من اجراءات تقشفية) مصحوبا بسلبية اجتماعية أدت في النهاية إلى التحول نحو اليمين، بل ونحنو نسخة ليبرالية جديدة صارمة منه، مما دفع اليسار بالكامل نحو مسارات يصعب السير عليها.

هذا التحول ليس أمرا مقتصرا على اليونان. فبطول أوروبا وعرضها، تشهد جميع أطياف اليسار أضعف مستوياتها تاريخيا. المنتصر الرئيسي هو  أقصى اليمين الأوروبي، الذي يزعم أنه طرف “مناهض للنظام” ، ويستفيد من غضب المجتمعات التي عانت من عقود من الليبرالية الجديدة. إن صعود “أقصى اليمين” يدل على فقدان اليسار لجذريته، وتحوله إلى مدير لنظام أصبح الآن بشكل منهجي وغير مشروط ينتزع المكاسب الاجتماعية تحققت على مدى قرن من الزمان، كما تحطمت الروابط بين اليسار والطبقات العاملة والشعبية، التي كانت في السابق تشكل قاعدته الطبيعية.

الجديد في الحالة اليونانية هو أن حزبًا من الفصيل المحافظ الكلاسيكي، الديمقراطية الجديدة، على وشك العودة إلى السلطة. من المؤكد أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ليست كالانتخابات الأوروبية، ولكنها ستشير رسميًا إلى اكتمال الدائرة التي بدأت في الميادين في صيف عام 2011. بل من الواضح أن سيريزا غير قادر على التعبير عن خطاب سياسي قادر على الإقناع ولو بشكل أولي، وتقتصر رسالته الانتخابية على أن لديه برنامجًا يحقق “النمو” إلى جانب “الاستقرار المالي” و “العدالة الاجتماعية”. أصبحت الحكومة ورئيس الوزراء من جديد جذريين، على استعداد للدخول في صدام مع “الدوائر المحافظة في بروكسل” والزعيم “الليبرالي الجديد المتطرف” ميتسوتاكيس (Mitsotakis) زعيم حزب الديمقراطية الجديدة (New Democracy).

هذه ليست سوى إعادة تسخين لوجبة قديمة من زمن فات. أين كانت المواجهة مع بروكسل، حين قبلوا بالفوائد العالية بنسبة 3.5 ٪ حتى عام 2022 والتقشف حتى عام 2060 بهدف خدمة الدين بدون زيادة في الفوائد؟ وأي نمو هذا الذي نتحدث عنه عندما تكون الضرائب عالية، ويستمر تقليص الاستثمار في الخدمات العامة بهدف تحقيق مزيد من الأرباح؟ وأي مواجهة مع الليبرالية الجديدة يقصدون، عندما يتم خصخصة الثروة العامة بشكل منهجي وبيعها للأجانب؟ وأي عدالة اجتماعية، بعد أن سحق “كاتروجالوس” (Katrougkalos) على طبقة هزيلة من الشركات الصغيرة من أجل دعم نظام التقاعد الذي لا أمل في بقائه على المدى الطويل؟

هل يمكن أن ننسى بسهولة أن البرنامج الثالث قد تم التصويت عليه في انسجام تام من قبل جميع الأطراف التي حكمت البلاد لأكثر من عقد؟ إن ثمن التحالف مع الشيطان الذي تم التوقيع عليه بعد استفتاء عام 2015، من أجل السماح لأليكسيس تسيبراس (Alexis Tsipras) بالبقاء في السلطة، أصبح مكلفا. لقد كانت أربع سنوات ونصف من حكومة سيريزا كافية لاستنزاف جاذبية اليسار بين الطبقات الشعبية.

نتائج الانتخابات الأوروبية

لقد كشفت الانتخابات الأوروبية – والأكثر منها الانتخابات المحلية والإقليمية – عن التراجع السياسي لسيريزا وافتقارها إلى الروابط العضوية مع المجتمع. كان المستفيد هو حزب الديمقراطية الجديدة، وأيضا حزب الحل اليوناني (Greek Solution party)، بينما تراجع حزب الفجر الذهبي (Golden Dawn) بالحفاظ على نسبة مئوية غير قليلة.  لم يتمكن الحزب الشيوعي اليوناني (KKE) من تحقيق أي مكاسب، بل العكس هو الصحيح، ذلك أن انخفاض نسبة شعبيته، سواء في الانتخابات الأوروبية وأكثر منها على المستويين الإقليمي والبلدي، يشير إلى الاستحالة المطلقة لقدرته على التدخل أو التأثير خلال العقود الأكثر أهمية تاريخياً بعد عقود من الحكم العسكري. كذلك ظل حزب مسار الحرية (Freedom party) غير ذي أهمية، في حين كادت جبهة اليسار اليوناني المناهض للرأسمالية (ANTARSYA) أن تكون غائبة تماما.

فاروفاكس وزير مالية اليونان السابق

حزب ينى فاروفاكيس (الذي كان وزيرا للمالية في عام 2015) “حركة الديمقراطية في أوروبا 2025” وحده أظهر بعضا من التقدم، وإن كان ذلك يعكس الأزمة المتفاقمة في اليسار. لقد بدأت الحركة بحالة من الانتعاش، وجدية برنامجيه للطعن في التطبيع مع برنامج الحكومة، بينما ترفض أقل درجات الاهتمام بالدروس المستفادة من الضرب بآراء مؤسسها عرض الحائط في “المفاوضات” الوهمية عام 2015. الأكثر إشكالية من ذلك أن هذا المشروع، الذي تم تقديمه باعتباره طرحا مبتكرا وتقدميا، يستند في الأساس إلى الظهور الإعلامي الكبير لمؤسسه وقواعد السياسات الإعلامية، دون الحاجة أو الرغبة في إقامة أي روابط مع الحركات الاجتماعية والطبقات الشعبية.

 

الفشل الكارثي للوحدة الشعبية (LAE)

في هذا المشهد القاتم، من المهم أن نلقي نظرة فاحصة على الفشل الكارثي لحزب الوحدة الشعبية، [الحزب اليساري الذي انفصل عن سيريزا في عام 2015]، خاصة وأننا نحن، كتاب هذا النص، شاركنا في إنشائه. لقد نجح في جذب جمهور، خاصة من حزب سيريزا، ممن لم يوافقوا على التصويت بالموافقة بدلا من الرفض، إضافة إلى منظمات يسارية من خارج البرلمان. كان يمكن لهذا الحزب أن يكون المستقبِل الطبيعي لحالة عدم الرضا ببرنامج المساعدات .  فقد حصل على نسبة لا بأس بها في سبتمبر 2015، وإن كانت أقل مما يمكن له تحقيقه، وكان يمكن البناء عليها كأساس لمعارضة ذات وزن وذات ارتباط بالحركات والتقاليد الراديكالية بين صفوف اليسار.

كيف يمكن إذا تفسير انهياره الانتخابي إذا؟ نعتقد أن خمسة عوامل على الأقل لعبت دوراً حاسما في ذلك.

يتعلق العامل الأول بأداء جبهة سيريزا اليسارية، والتي شكلت العمود الفقري لحزب الوحدة الشعبية خلال الفترة السياسية الحاسمة بين الاستفتاء وانتخابات سبتمبر 2015. بدلاً من الصمود والتصميم اللازمين اللذين تطلبهما السياق، حين بدأت تتضح نية تسيبراس (Tsipras) للاستسلام ثم التصديق على اتفاقية 13 يوليو، حدث العكس تماما: غموض وخطاب متضارب، بلغ ذروته في تصريح باناجيوتيس لافازانيس (Panagiotis Lafazanis) “أنا أؤيد الحكومة، لكن ليس مذكرات التفاهم (المنظمة لحزمة المساعدات)”. بدلاً من اتخاذ مبادرات صارمة ذات توجه اجتماعي، استمرت الأعمال الروتينية داخل الحزب خوفًا من اتهامه بـ “خلق انقسامات”. وتمكن تسيبراس بسهولة من السيطرة على التطورات، متجاوزًا معارضته الداخلية، والتي كانت أيضًا خصمه الجاد الوحيد.

العامل الثاني هو استمرار هذا الغموض نفسه خلال الفترة التي سبقت انتخابات سبتمبر، حيث ظهر حزب الوحدة الشعبية دون مقترحات برنامجية ولغة مقنعة في مواجهة خطاب “اللابديل” وبرنامجه الافتراضي “الموازي” لمذكرة سيريزا، حيث اتخذ موقفا دفاعيا وغير واضح فيما يتعلق بالقضية الحاسمة لليورو، في حين أنه لم يستغل تطورات الفترة السابقة، والتي كان من الممكن أن تدفع في اتجاه مختلف. واستمرت عدم القدرة على صياغة برنامج بديل يتعامل مع شروط حزمة المساعدات ومذكرة التفاهم الثالثة طوال الفترة التي تلت ذلك، حتى دون التخفيف من الأطر الزمنية الخانقة للصيف المشؤوم. احتفظ حزب الوحدة الشعبية بخطاب “مكافحة المذكرة”، مع شعارات مركزية من زمن سابق، مستهدفا اليورو والاتحاد الأوروبي بطريقة عفا عليها الزمن. كما لم يتمكن من إقناع جمهور الناخبين بأن لديه حلول للمشاكل الكبرى المتمثلة في البطالة والنمو والضرائب وانخفاض الأجور، إلخ.

العامل الثالث هو أن تقييمهم للآثار المترتبة على المذكرة الثالثة كان خاطئا منذ البداية. كان هناك اعتقاد بأنه سيكون هناك رد فعل شعبي من شأنه أن يؤدي إلى سقوط سريع لحكومة تسيبراس، والانتخابات، ودخول حزب الوحدة الشعبية في البرلمان. في الواقع، صاحبت مذكرة التفاهم الثالثة حالة من السلبية اجتماعية لم يسبق لها مثيل اجهضت التطورات السياسية. تحول السخط والانتباه اللذان سادا من 2011 إلى 2015 إلى عجز صامت، حيث قضى الاستسلام على الأمل، تحديدا لأن المسؤولية كان يتحملها الطرف الذي وثقت به القطاعات الأكثر نضالية بين الجماهير الشعبية.

أما العامل الرابع فيتعلق بالتحول المنهجي والمكثف إلى المواقف “الوطنية”، والسعي إلى حلفاء في أسوأ الأماكن وأكثرها خطورة في الطيف السياسي. كانت لحظة فارقة، ولكنها ليست فريدة من نوعها، أن يظهر سكرتير حزب الوحدة الشعبية في برنامج تلفزيوني ينتمي لأقصى اليمين يتحدث بلغة تهدف إلى إغراء ردود الفعل القومية الأكثر رجعية. كان الخطأ كبيرًا وأشعر ناخبي اليسار بالاغتراب. كما كشف أيضا عن تشوش أيديولوجي عميق فيما يتعلق بالترابط بين المسائل الاجتماعية والوطنية في الرأسمالية الحديثة، كما وجه ضربة قاضية لأثمن إنجاز حققه الجمهور الذي عارض خيانة المصوتين بلا، أي رأس مالهم الأخلاقي.

السبب الخامس، أخيرًا، هو أنه كلما فشلت المواقف السياسية لحزب الوحدة الشعبية، كلما زاد انهيار هيكله التنظيمي وتحولت العمليات الديمقراطية الداخلية لممارسات شكلية بدون مضمون. فبدلاً من العمل المنهجي من الأسفل، سادت الوظائف البيروقراطية والنشاط الموجه نحو وسائل الإعلام. وتمت معالجة رحيل جزء كبير من المؤيدين الذين انضموا أصلا إلى المشروع بتمسك أكبر بالروتين. تدريجيا، ظهرت مظاهر شخصنة القيادة والتي كان لها تأثير سلبي تماما على جمهور الناخبين.

إعادة تأسيس اليسار

كانت النتيجة استمرار تدهور حزب الوحدة الشعبية حتى انهياره الانتخابي. لسوء الحظ، كما سبق ذكره، فإن فشل حزب الوحدة الشعبية هو أيضًا بمثابة عدسة مكبرة للفشل المعمم لليسار. ذلك أن معظم الأعراض التي ذكرناها تخص أيضًا، بأشكال مختلفة، باقي اليسار الراديكالي.

في ظل الظروف السائدة الآن، تعد مشاركة حزب الوحدة الشعبية في الانتخابات البرلمانية مهمة صعبة للغاية. ذلك أن هزيمة انتخابية جديدة قد تخلق ظروفًا أسوأ بالنسبة لما هو ضروري حاليًا، ألا وهو عملية إعادة تأسيس اليسار الراديكالي. يجب على الهيئات التابعة لحزب الوحدة الشعبية مراعاة عدد من العوامل الهامة والعمل على تمهيد الطريق لإعادة تأسيسها.

لقد أظهرت نتائج مختلف التكوينات المحلية أن قياس الاستجابة والتأثير يكون ممكنا عندما يكون هناك تدخل حقيقي وتأسيس اجتماعي. هناك في المجتمع جماعات مجزأة لكنها مواقع للمقاومة: شبكات التضامن، والتعبئة المحلية، والمبادرات النقابية من الأسفل، والمشهد الثقافي البديل، وحركات في مجال التفكير الراديكالي. يجب أن يكون الهدف الأساسي هو التغلب على هذا التشرذم، وخلق مساحات للتفاوض والعمل المشترك. إن الهيمنة القادمة لليمين سوف تفتح جبهات جديدة، دون أن يستلزم ذلك أن يتحرك المجتمع نحو اليسار. اليمين المتطرف موجود.

لذلك، فإن الجدية البرنامجية والقيادة الجديدة وشكل جديد من التنظيم الديمقراطي وخطاب جديد والاتصال بالشبكات الاجتماعية الجديدة والأشكال الجديدة للمقاومة الاجتماعية كلها أمور ضرورية. بالأساس، يجب إعادة تعريف محتوى اليسار والراديكالية الاشتراكية في اليونان. لن تكون هذه العملية عملية سريعة، لكنها طريق ذو اتجاه واحد لإعادة بناء تلك القوى التي تم تعلمت درسها من خلال تجربة قاسية للغاية، لكنها أيضا ثرية في فترة أثرت على المجتمع اليوناني.

*نشر المقال لأول مرة في موقع برس بروجكت اليوناني وقام بالاحمر بترجمته إلى العربية بتصريح من كتاب المقال

** كوستاس لابافيتاس أستاذ علوم الاقتصاد في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن وانتخب كعضو في البرلمان الهيليني  عن حزب سيريزا اليساري في الانتخابات العامة التي جرت في يناير 2015. وفي أغسطس 2015 انشق عن سيريزا وانضم لحزب الوحدة الشعبية في.

*** ستاثيس كوفيلاكيس أستاذ النظرية السياسية في جامعة الكلية الملكية بلندن وقد كان عضوا باللجنة اللجنة المركزية لحركة سريزا.

 

You might also like