Take a fresh look at your lifestyle.

خطة كوشنر والغطرسة الاستعمارية الجديدة

كتب : رشيد الخالدي
ترجم : دينا سمك


“لا يمكنكم الاستغناء عنا”، هكذا قال اللورد كورزون بصلف للهنود الذين حكمهم كحاكم عام ممثل للإمبراطورية البريطانية قبل أكثر من قرن. وبينما كانت عائلة ترامب تتبادل اشارات الود مع عائلة ويندسور المالكة أثناء زيارتهم الأخيرة إلى لندن، لم يكن هناك مجالا للخطأ في التفريق بين الارستقراطية الحقيقية وتلك المكتسبة، ومع ذلك، فإن جاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير المستشارين المسؤول عن صياغة خطة سلام في الشرق الأوسط، لديه بالفعل شيئا مشتركا مع اللورد كرزون ومن على شاكلته من الاستعماريين.

في حديث مع موقع أكسيوس الإخباري تم عرضه في الثاني من يونيو، بعد وقت قصير من وصوله إلى المملكة المتحدة، أعرب كوشنر عن شكوكه حول جدوى حكم ذاتي فلسطني مستقل معلنا أنه “علينا أن نرى..” مضيفا أن “الأمل هو أن يصبحوا مع مرور الوقت قادرين على الحكم”. وعندما سئل إذا ما كان من الممكن أن يتمتع الفلسطينيون بحريتهم أبدا بعيدا عن “الحكومة الإسرائيليلة أو التدخل العسكري” أجاب كوشنر فقط بقوله “إنه أمر يصعب الوصول إليه”. وبعد أن لمح محاوره إلى أنه استشار شخصيات فلسطينية قليلةـ هذا إذا كان قد استشار أي فلسطيني. طوال العامين الذين تم وضع خطته للسلام فيهما، وسأله إذا ما كان قد فهم لماذا لا يثق فيه الفلسطينيون، اجاب كوشنر باقتضاب: “لم آت إلى هنا ليثق فيّ أحد”.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التى يقال للفلسطينيين فيها أنهم لا يستطيعون حكم أنفسهم، وأن عليهم أن يظلوا تحت وصاية أجنبية وألا يطالبوا بأن تتم استشارتهم فيما يتعلق بمستقبلهم الوطنى. في 1919 كتب محتل بريطاني آخر، وهو اللورد بالفور، في مذكرة سرية لكورزون نفسه، يقول: “في فلسطين نحن لا نعرض حتى أن نستطلع رغبة السكان الحاليين للبلاد ولو بصورة شكلية.. الصهيونية سواء كانت صحيحة أم خاطئة، جيدة أم سيئة، متأصلة في تقاليد طويلة العمر، وفي احتياجات الحاضر، وفي آمال المستقبل بصورة أكثر أهمية بكثير من رغبات وتحامل 700 ألف عربي يسكنون اليوم هذه الأرض العتيقة”.

إعلان عام 1917 المرتبط باسم بلفور، والذي كان أساسا للانتداب البريطاني الذي أدى إلى قيام إسرائيل، استبعد الفلسطينيين – الذين لم يذكرهم بلفور أبدأ بالاسم – من الحقوق السياسية والوطنية التي منحها لليهود. في مقابلته مع أكسيوس، ردد كوشنر كلمات بلفور، مستبعدا الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا من الحقوق السياسية والوطنية. كوشنر، وزميله جيسون جرين بلات مستشار البيت الأبيض، وديفيد فريدمان السفير الأمريكي لدى إسرائيل، أكدوا باستمرار أن مبادراتهم هي في الأساس مبادرة تنمية اقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة المحتل، تهدف إلى العمل في ظل شروط السيطرة الإسرائيلية شبه المطلقة. وحتى الآن، ليس للمبادرة أي بعد سياسي واضح، باستثناء الإشارة الواضحة إلى استبعاد قيام الدولة الفلسطينية وسيادتها. كل الفلسطينيين، من وجهة نظر كوشنر، يستحقون “فرصة للعيش حياة أفضل … فرصة لدفع رهنهم العقاري” تحت حكم إسرائيل.

من المفهوم، في كل مكان في العالم تقريبا، أن الفلسطينيين ـ بالإضافة إلى الكثير من المعلقين الدوليين ـ يرون أن هذا التوجه ببساطة يمهد الطريق نحو تطبيع لا نهائي للاحتلال والابتلاع التدريجي في ظل ظروف من التمييز القانوني الشديد بين اليهود الاسرائيليين والفلسطينيين العرب في وضع يشبه أكثر ما يشبه وضع جنوب أفريقيا تحت حكم الفصل العنصري الآبرتايد.

المدهش أن كوشنر الذي من المفترض أنه رجل أعمال ناجح، يبدو جاهلًا بإجماع الآراء الاقتصادية التى تصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه يعاني من الاختناق في المقام الأول بسبب التدخل المنهجي للاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي يدعو هو إلى الإبقاء عليه. وقد زادت ادارة ترامب من هذا الاختناق بقراراتها الاقتصادية بقطع المساعدات الأمريكية المباشرة للضفة الغربية وغزة، ووقف الدعم لوكالة غوث اللاجئين التابعة للامم المتحدة الأونروا. وفي نفس الوقت تستمر الولايات المتحدة في دعم الحصار الاسرائيلي المدعوم مصريا لقطاع غزة بما له من تأثير كارثي على مليون و 800 ألف شخص، بما في ذلك النقص المزمن في الطاقة والمياه، والمعالجة المحدودة لمياه الصرف الصحي، ومعدلات البطالة التى تتجاوز الخمسين بالمئة والانعدام الكامل لحرية الحركة.

هذه ليست سوى بعض الطرق التي أظهرت بها الإدارة التى يعتبر كوشنر جزءًا منها احتقارها للفلسطينيين. ففي اعترافها بالقدس عاصمة لاسرائيل قامت هذه الادارة باستبعاد قضية، كانت اسرائيل ملزمة بموجب الاتفاقيات الدولية بالدخول في تفاوض حولها مع الفلسطينية، من مائدة التفاوض وعكست مسار أكثر من سبعين عاما من السياسة الأمريكية بينما تتجاهل الإجماع الدولي على أن الوضع النهائي للمدينة يجب أن يكون مرتبطا باتفاق سلام مقبول من الطرفين.

إدارة ترامب تجنبت أيضا وبشكل صريح تأييد حل الدولتين أو أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وهو ما كرره كوشنر في مقابلته. لقد أغلقت هذه الإدارة البعثة الفلسطينية في العاصمة واشنطن، وقطعت المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية، وادعت كذلك، وعلى عكس وضع جميع اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، أن أبناء الفلسطينين الذين حصلوا على حق اللجوء في عام 1948 ليسوا لاجئين. أخيرا، بتأييدها لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، مهدت إدارة ترامت الطريق أمام ضم إسرائيل لأى مناطق من الضفة الغربية تقرر أن تبتلعها.

في الواقع، في مقابلة أجريت مؤخراً مع صحيفة نيويورك تايمز، صرح السفير فريدمان، الذي يُقال إنه “قوة دافعة” في صياغة سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، بأن إسرائيل لها “الحق” في ضم “بعض، لكن من غير المحتمل كل” ، من الضفة الغربية. “بعد ذلك ، قام فريدمان بالتفلسف، فعندما سأل عما إذا كانت خطة كوشنر تتضمن دولة فلسطينية، قال متأملا:” ما هي الدولة؟ ” وانهى حديثه بمقارنة هزلية بين الاحتلال الإسرائيلي القسري غير المحدود للأراضي الفلسطينية وبين الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا واليابان وكوري بموجب اتفاقيات مع هذه الدول. هذه التصريحات هي أوضح مؤشر ممكن في أي اتجاه تهب الرياح الآن في واشنطن.

في مقابل هذه الافتئاتات على الحقوق الفلسطينية، سيتم عرض أموال على الفلسطينيين، يتم جمعها من ممالك الخليج، وهو عرض من المفترض أن يتم إضفاء الطابع الرسمي عليه في مؤتمر في أواخر يونيو في البحرين. إن اقتراح كوشنر لرشوة المعارضة الفلسطينية للموافقة على خطة تلغي ايجاد تسوية سياسية يتم الوصول إليها عن طريق التفاوض اليها ليس فقط اقتراحا متغطرسا وغبياـ وهو ما يتماشى تمامًا مع سجلّ أسرته ونسائبه ـ ولكنهت أيضا ليست أكثر من نسخة معاد تسخينها لخطط قديمة مماثلة “للسلام الاقتصادي” بديلاً عن الحقوق الفلسطينية والتي حاول ترويجها القادة الإسرائيليون من شيمون بيرس إلى نتنياهو.

منذ وقت اتفاقيات أوسلو في منتصف التسعينيات، طرح بيريز، الذي كان متمسكا برفض فكرة الدولة الفلسطينية وسيادتها، أفكارًا مختلفة من أجل “السلام الاقتصادي”. وطرح بنيامين نتنياهو نفس الموضوع بداية من انتخابات عام 2009، وبتركيز متزايد منذ ذلك الحين، مع وضوح موقفه أكثر فأكثر ضد الدولة الفلسطينية. فبالنسبة لنتنياهو والقوميين المتشددين من أنصار المستوطنين المتطرفين مثل زميله في الوزراة الأخيرة نفتالي بينيت، فإن غلاف الحلوى الاقتصادية للقرص المر المطلوب من الفلسطينيين ابتلاعه، فقد أصبح خطوة أساسية تجاه الابتلاع الصريح لهم.

ليس سراً أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو يسيران على قدم وساق، فيما يتعلق بفلسطين والمواجهة مع إيران، لكن المذهل هو إلى أي مدى تم تفويض نتنياهو وحلفائه في اسرائيل وأمريكا لتنفيذ “مبادرات” الإدارة الأمريكية حول الشرق الأوسط ما فيها خطة كوشنر نفسه. قامت سياسة البيت الأبيض في الشرق الأوسط، بما في ذلك خطة كوشنر نفسها. إن “مبادرات” إدارة ترامب للشرق الأوسط حتى الآن قد تم تجميعها بالكامل حرفيا من مخزن أفكار اليمين المتطرف الإسرائيلي، بما في ذلك نقل السفارة للقدس، والاعتراف بضم الجولان، والتخلي عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، محاولة تصفية الأونروا والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. ومازالت هناك بعض البنود القليلة على قائمة أمنيات نتنياهو من بينها ضم الجزء الأكبر من الضفة الغربية، ورفض أمريكي رسمي لإقامة دولة فلسطينية، وتكوين قيادة فلسطينية عميلة ومدجنة بالكامل، وغيرها من الأساليب المؤسفة لإكراه الفلسطينيين على قبول كونهم شعبا مهزوما.

ما يقوله كوشنر وزملاؤه هو أن الفلسطينيين ليس لديهم مظالم مبررة، ولا حقوق مشروعة، باستثناء الحق في أي رخاء يمكن تحقيقه بأموال خليجية في ظل احتلال عسكري إسرائيلي دائم لأرضهم. ومع ذلك ، فإن فكرة خطة كوشنر المتمثلة في إلقاء أموال الآخرين على القضية لن تجعلها تختفي؛ ليس عندما يتعلق الأمر بالحقوق الوطنية والسياسية والمدنية والإنسانية لما يقدر بنحو 12 مليون شخص. كما يجب أن يكون واضحًا من نشاط المجتمع السياسي والمدني مثل حركة المقاطعة، وغيرها من أشكال المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية، وبين الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الشتات الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني لا يمكن شراؤه.

أوضحت إدارة ترامب أنه بينما يتعين على الاسرائيليين أن يكون لهم إسهام واف في تقرير ما يحدث في فلسطين، فإن الفلسطينيين أنفسهم لا يستحقون التشاور معهم بشأن مستقبلهم: في غطرستهم، كوشنر، فريدمان، جرينبلات، و مرشدوهم الإسرائيليون اليمينيون يعرفون أكثر. إن الروتين الممل المتمثل في حرمان الفلسطينيين من السلطة، كما تفعل خطة كوشنر بطريقة فجة وغير محترمة، قد تمت تجربته لما يزيد عن قرن. لم ينجح الأمر تحت الانتداب البريطاني، ولم ينجح بين عامي 1948 وصعود منظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات من القرن الماضي، حيث حاولت الأنظمة العربية فرض وصايتهم على الفلسطينيين، ولم تنجح في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي. فكل ما سمح للفلسطينيين به من قبل أسيادهم الإسرائيليين، من مناحيم بيجن في عام 1977 وحتى بنيامين نتنياهو اليوم، هو درجات من “الحكم الذاتي” شديد التقيد تحت اصبع اسرائيل مهما اختلفت درجات تجميله، ومن الواضح أن هذا هو كل ما كوشنر على استعداد لتقديمه.

إن الوضع الراهن للاحتلال العسكري والاستعمار الذي يقترح كوشنر تمديده إلى أجل غير مسمى يتناقض كلياً مع عقود من السياسة الأمريكية المعلنة، ومع كل مبدأ من مبادئ الحرية والعدالة والإنصاف، من المفترض أن الولايات المتحدة تدافع عنها. إن السماح لشخصية تافهة، تعمل تحت تأثير الأفكار الرجعية لليمين الإسرائيلي، بوضع السياسات الامريكية انما يضع الولايات المتحدة في موقف مشين.

إذا كان اختلاط جيراد كوشنر بالملوك في لندن قد أدار عقله، فإن أيام اللورد كورزون واللورد بلفور قد ولت بغير رجعة وأنتهى عصر الاستعمار سواء أدرك هو ذلك أو لم يدركه. وبالخطط الاستعمارية الجديدة التى يحاول كوشنر هو وحلفاؤه الاسرائيليين فرضها على الفلسطينيين إنما يسبحون ضد التاريخ.

نشر المقال لأول مرة باللغة الانجليزية على موقع نيويورك رفيو أوف بوكس وتمت ترجمته بموافقة الكاتب والناشر.

* رشيد الخاليد هو مؤرخ وكاتب فلسطيني أمريكي يعمل حاليا كرئيس قسم للدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا، كما أنه مؤلف كتاب “حرب المائة عام على الفلسطينيين: استعمار المستوطنين والمقاومة، 1917–2017.

 

You might also like