Take a fresh look at your lifestyle.

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري ( 2 )

كتب : هاني شكر الله


ثورة حمراء مصابة بنوع من عمى الألوان فرأت نفسها برتقالية. ربما كان التعليق جارحا بعض الشيء، وقد سبق لي قوله في موضع أخر، وهو لا يقلل البتة من عمق تقديري وإجلالي لعبقرية الثورة المصرية ولبطولتها الخارقة ولجموح روحها واتساع حلم خيالها”

هكذا وصف الكاتب والمفكر والمناضل هاني شكرالله الثورة المصرية قبل عامين وهو وصف يمكن استدعائه كثيرا إذا ما تأملنا الحراك الاجتماعي الذي شهدته المنطقة العربية في الشهور أو السنوات الماضية. فمن اليمن إلى البحرين ومن الجزائر إلى السودان لم تبخل الجماهير الثائرة بدمائها على حلم الخلاص من قهر واستبداد واستغلال دام عقود طويلة، ومع ذلك لم ينج أي حراك في تجاوز حدود القيادات الإصلاحية المرتبكة المهزوزة التي عادة ما يخيفها عنفوان التمرد بقدر ما يخيف النظام نفسه. في كل البروفات الثورية التي شهدتها الثورات العربية لم تختلف النتائج كثيرا عما وصلت إليه الثورة المصرية، فلم تفلح أي منهم في إفراز قيادات ثورية بديلة ولا تنظيمات جذرية تتولى زمام قيادة الجماهير وهو ما يفرض سؤالا ملحا يبحث عن إجابة بالضرورة: لماذا؟

وفي محاولة منا في بالأحمر وكما عاهدنا القارئ أن نحاول أن نفهم العالم لنغيره نعيد نشر مقالات هاني شكرالله حول التنظيم والثورة والتي جاءت في سلسلتين الأولى بعنوان “ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية، محاولة نحو فك اللغز المصري”والثانية بعنوان “مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية”

والتي كتبهما شكرالله في الفترة ما بين 2017 و2018 واختص الموقع الذي قام بإنشائه في 2017 على أمل أن يكون منبرا لليسار بنشرها. وقد كان اختيارنا للبدء في إعادة نشر هذه المقالات لسببين أساسيين،أولهما ما يفرضه الواقع اليوم في ظل الحراك الجزائري السوداني من أسئلة فرضتها الثورة المصرية من قبل وحاول شكرالله الإجابة عليها من خلال التأمل في الواقع المصري، محاولا فتح حوار موسع حول ما اعتبره أكثر الأسئلة الجوهرية في الثورة المصرية: سؤال التنظيم والثورة. أما السبب الثاني فهو التاريخ نفسه في ظل غياب شكرالله وحضوره الطاغي منذ الخامس من مايو 2019، ولهذا اخترنا أن نبدأ في نشر المقالات في يوم ميلاد هاني التاسع والستين تقديرا لأفكاره واحتراما وإجلالا لتثمينه لقيم الحياة والثورة والنضال من أجل عالم أفضل.

وتسعى أسرة بالأحمر أن تفتح المقالات التي نعيد نشرها اليوم بابا واسعا للجدل والنقاش المثمر عبورا لغد أفضل.

ثالثا: البرجوازية المصرية والمجال السياسي

Hubris كلمة يونانية المنشأ تجمع بين معاني الكبرياء والزهو والصلف، وهي خصال لم تكن مستحبة لدى آلهة الأغريق. إحدى الأساطير الإغريقية الشهيرة تروي قصة نايوبي، كانت إمرأة خصوب، ابنة ملك وزوجة ملك، تزهو وتتباهى بخصوبتها (فلها ستة أولاد وست بنات في روايات، وسبعة من النوعين في روايات أخرى). غير أن زهو نايوبي بخصوبتها أمام إمرأة أخرى لم ترزق بغير طفلين توأم جلب عليها انتقاما رهيبا، فالمرأة الأخرى مجروحة المشاعر تنتمي للجيل الثاني من آلهة الأغريق، الـ Titans ويطلق عليهم بالعربية“الجبابرة“، وأبو طفليها التوأم كبير آلهة الجيل الثالث، زوس شخصيا، وولديها آلهة بدورم:أبولو وأرتميس. عقابا على زهوها واساءتها لمشاعر أمهم يقوم أبولو بقتل كل أولاد نايوبي وتتولى أرتميس قتل كل بناتها، لتقضي نايوبي بقية حياتها أما مكلومة تبكي أطفالها إلى أن تحولت إلى حجر.

“خليهم يتسلوا“، يجدر بها أن تحتل بدورها مكانا بارزا في الدراما المصرية وإن انتمت للتاريخ السياسي الواقعي وليس لعالم الأسطورة. قالها حسني مبارك منتشيا، مزهوا، هازءا بمعارضيه في افتتاحه برلمان 2010 المشؤوم، ليجئ قوله تكثيفا دراميا للمأثرة الأهم لعهده وكاشفا عن السر الأعمق لصيرورته الكؤود، فيشاء ديالكتيك العملية التاريخية (أو القدر، إن شئت) أن تُرد السخرية للساخر مضاعفة مدوية، فتصبح عنوانا هازئا لسقوط مبارك ولنهاية عهده.

فمثله كمثل نايوبي المكلومة لم يكن زهو مبارك وخيلاءه محض جعجعة فارغة: السيدة التعسة خصوبة بالفعل، أنجبت (وفقا للأسطورة) ما بين 12 و14 ولدا وبنتا، أما ديكتاتورنا التعس فيقف على عهد دام ثلاثين عاما تجاوز بهم سائر حكام مصر الحديثة باستثناء مؤسسها محمد علي باشا، وتميز حكمه بركود وثبات مدهش، مقيت، رتيب، كئيب. يكفيك أن تقارن عهده بعهدي سلفيه العاصفين، أو أن تتأمل في حجم التحولات الهائلة داخليا وإقليميا وعالميا التي أحاطت به: تحويل شامل لهيكل الاقتصاد المصري ولبنية الطبقة الحاكمة، عدوان متواصل متنام وناجز على الحقوق الأساسية للطبقات العاملة في المدينة والريف وتحلل تام من العقد الاجتماعي الناصري. أيديولوجية سائدة تمد بجذورها للقرن التاسع عشر يُلقى بها في سلة المهملات وتستبدل بخلطة عجيبة من الفكر الديني والليبرالية الجديدة؛ تدله وخنوع للغرب الاستعماري وتصالح وود مع إسرائيل تتعايش في وئام مع ديماجوجيا المؤامرات الأمريكية الصهيونية على مصر والعرب والإسلام؛ إعجاب بإسرائيل ومنجزاتها وكراهية واحتقار لليهود؛ تشييد المساجد بسرعة صاروخية وبجانب كل مسجد فرعا لماكدونالد وكنتاك؛، كراهية وازدراء متصاعد للمسيحيين المصريين “الكفار” “المستكبرين” لا تقف حائلا أمام أجازات صيفية ومهمات وظيفية تُقضى كلها “شوبنج” في لندن وباريس ونيويورك؛ نتغنى بنظافة الدول الغربية“المسيحية” وبحسن تنظيمها وبطرقاتها ومعالمها المعمارية، ونحظر بناء الكنائس أو ترميمها عندنا، هذا إذا لم نحرقها أو نهدمها؛ نحذر من الغزو الثفافي الغربي ونستهلك زبالته بنهم محموم؛ نهتف بخصوصيتنا الحضارية والثقافية والدينية ونترك المساجد الأثرية تتهاوى محاطة بأكوام القمامة؛ نترك معمار العصر الإسلامي يتهاوى أو نهدمه لنفسح مكانا للمولات والمساجد المستوحاة من ثقافة النفط الخليجية.

التعددية المقيدة الموروثة من السادات تحفل بالتناقضات وتحيا رغمها في تعايش ووئام؛ صعود متواصل وعارم للمكون الديني في فكر وقيم وأنماط سلوك عامة الناس من أعلى السلم الطبقي إلى أسفله، وبأكثر رموزه ومعانيه رجعية وتخلف ومعادة للعقلانية والإنسانية، لا يفضي إلى “حكم اسلامي” ولكن لثبات ممتد يشمل المناورات والأخذ والعطاء والتلاعب والتآمر والشد والجذب – وكلها “تحت السيطرة” – بين النظام والإسلام السياسي بإخوانه “المعتدلين” وجهادييه “المتشددين“؛ “بطل الحرب والسلام”يُغتال بين جنوده ومحاولة تمرد مسلح تُجهض يعقبها تجنيد الجهاديين أنفسهم دعما للتحالف مع أمريكا في حربها على “الكفار” الروس في أفعانستان؛ عقد كامل من “الحرب على الإرهاب”يدعم النظام ولا يضعفه، يتحول الشعب بموجبه لمتفرجين مذعورين بينما تتوطد دعائم دولة بوليسية لا حدود لتوحشها وهمجيتها.

كل هذا في سياق إقليمي وعالمي حافل بالعواصف والتحولات الكبرى تشمل، من ضمن ما تشمل، غزوا اسرائيليا ساحقا للبنان، يصفي وجود المقاومة الفلسطينية المسلحة على أرضها، يعقبه غزوات وغزوات؛ عولمة رأسمالية جامحة ودول من العالم الثالث المتخلف تدخل نادي الدول الصناعية الحديثة، وتحالف مع العراق في حربها المجنونة والمدمرة مع إيران ثم تحالف مع أمريكا لتدمير العراق وصولا لغزوها وسحقها؛ حائط برلين يسقط وبعده الاتحاد السوفيتي ومعسكره “الاشتراكي“، والغرب يحتفل بانتصاره النهائي وبنهاية التاريخ؛ سقوط الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وموجات من التحول الديمقراطي تتواصل دفهات ترقم، وتمتد من شرق آسيا لأمريكا الجنوبية لعدد من البلدان الأفريقية؛ ثورة تكنولوجية تفوق الخيال تدخل بها البشرية ما يسمى بعصر المعلومات.

كل هذا ومبارك وحكمه قاعدون ثابتون مستقرون استقرارا هو أشبه بالموتى، حتى شخوص الطاقم الحاكم لا يكادوا يتغيرون، اللهم إلا بالإرادة الإلهية أو بأقل القليل من التضحيات التجميلية بكباش فداء، عادة ما تكشف عن نزاع بيزنسي ما.

عام 1999 قدمت ورقة (لم تُنشر) لحلقة نقاشية لليسار استضافها مركز الدراسات الافريقية والعربية ورئيسه الرائع حلمي شعراوي، أستميح القارئ عذرا في أن أقتبس بعضا منها هنا:

“نظام الاستبداد الشعبوي في حالة تحلل منذ ثلاثة عقود. ما سمي بتجربة التعددية المقيدة التي ولدت عام 76 تجاوزت سن الرشد، والحصاد معروف للجميع: نظام رئاسي ملكي، السلطة الفعلية في أيدي رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن، برلمان معين لا يُشرع ولا يراقب ولا شأن له بتشكيل حكومات من أي نوع، أجهزة الأمن هي المجال الرئيسي لتجنيد وإعادة إنتاج الطاقم الحاكم على كل مستويات الدولة، دولة بوليسية فاقت في شراستها ودمويتها ونطاق إرهابها أي لحظة سابقة في تاريخنا الحديث؛ تطور مستمر في الطابع الديني للدولة والخطاب الأيديولوجي السائد، وتوسع متواصل في سلطات وصلاحيات الأجهزة الدينية الرسمية يقابله تقليص متزايد للعناصر العلمانية في بنية الدولة المصرية الحديثة (فلم تكن أبدا دولة علمانية). وكل هذا في تزاوج فريد مع تعددية حزبية مقيدة ونطاق لحرية التعبير محاط بالقيود ولكنه في كل الأحوال أوسع كثيرا مما كان متاحا في ظل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري. والمثير للانتباه هنا يكمن في مفارقة أن هذه الظواهر المتناقضة على السطح للاستبداد واللبرلة لا توجد – رغم المعارك الجزئية بين الحين والأخر – في حالة تناقض وصراع وإنما أساسا في حالة تعايش ووئام: تعذيب وكشف عن التعذيب، تزوير وكشف عن التزوير، انتخابات برلمانية ومحلية تقوم نظريا على التعددية الحزبية والصراع بين أحزاب المعارضة والحزب الحاكم وفعليا على التنافس بين أعضاء الحزب الحاكم نفسه على كسب ود ورضاء السلطة التنفيذية حتى ولو رغم أنفها في بعض الأحيان؛ صحافة حزبية ومستقلة يدار بعضها بـ“التليفون إياه” (على حد تعبير صلاح عيسى) وبعضها الأخر من لاظوغلي مباشرة، وكلها رديئة ورثة واستبدادية النزعة، مبدأها الأساسي هو احتقار الحقيقة والإزدراء بعقول القراء، حين تعارض فمعارضتها ديماجوجية فظة وحين تمالئ فممالئتها ذليلة رثة، معارضتها لا تضعف النظام وممالئتها لا تقويه (يخوض الصحفيون معركتهم “المجيدة” ضد قانون 92 ليبدأ حبس الصحفيين بعد انتصارهم “المجيد”بالذات.)

“أما أحزاب المعارضة فحدث ولا حرج. البعض يملأ الدنيا صراخا وضجيجا، والبعض الأخر يلبس ثوب العقلانية الرزينة، والكل يهرج. ويبدو التهريج وانعدام الجدية في أنصع صورهم في النشاطات المشتركة للأحزاب: اجتماعات وبيانات وإنذارات ومؤتمرات…المعارضة كلها (بما فيها بطبيعة الحال الإخوان والشيوعيين “المحجوبين عن الشرعية“)تطالب بتعديل الدستور… المعارضة كلها تضع شروطها لضمان نزاهة الانتخابات البرلمانية… المعارضة كلها تطالب بتجميد العلاقات مع اسرائيل… المعارضة كلها تطالب بالتضامن مع شعب العراق وكسر العقوبات ضده… المعارضة كلها تطالب بمقاطعة البضائع الأمريكية والبريطانية (!!!) – أحداث جلل لا يعيرها النظام انتباها، ولا الشعب ولا المعارضون أنفسهم، تسجل في الصحافة الحزبية الأسبوعية، ولا ينقضي أسبوعا حتى يكون الجميع، حكومة ومعارضة وشعبا، قد نساها. (يصل الأمر إلى مستوى الملهاة في الاحتجاجات الموسمية من خلال صلاة الجمعة في الأزهر، وتلك المسيرة المحبطة أبدا).”

لم يكن مبارك مبالغا في خيلائه واستهزاءه، غير أن زهوه أعماه عن جديد كان ينمو بتؤدة تحت السطح، جيل جديد وأدوات جديدة وخيال ثوري جديد تنشأ من الناحية الأساسية بعيدا عن المجال السياسي الكاريكاتوري وخارج نطاقه. لم تكن مشكلة مبارك في قراءته لكامل عهده، ولكن في أن العملية التاريخية (أو القدر إذا أردت) شاءت أن يأتي تصريحه المتبجح بتلك القراءة في دقائقها الأخيرة: شيئ ما غير معهود وغير مألوف كان يجري في بر مصر؛ مجال سياسي جديد تمام الجدة كان يغلي ويفور تحت القشرة الأرضية للنظام ليخرج إلى السطح فجأة في 25 يناير 2011، منفجرا كالبركان.

وهو ما يعود بنا لمسعانا لتفسير ذلك الركود المذهل لعقود مبارك الثلاثة، وبالأخص لنجاحه الفائق في انتاج واعادة انتاج مجال سياسي وهمي قوامه اللا سياسة؛ شكل بغير محتوى، تمثيل للسياسة لا ممارسة لها، يتفق أطرافه جميعا، حكومة ومعارضة، ضمنا أو صراحة، كل على لعب دوره المحدد وفقا “لسكريبت” معد سلفا، وإن سمح ببعض الارتجال(وبالأحرى التهريج) على طريقة المسرح التجاري المصري، ويماثله ركاكة وابتذال ورداءة في الأداء.

في الورقة التي اقتبست منها أعلاه، طرحت مفهوم الأوليجاركية كأداة رئيسية لتفسير تحولات النظام السياسي للمباركية وكان قد مضى عليه ما يقرب من عقدين من الزمان، بينما الخطاب السائد حوله داخليا وخارجيا محصور في فكرة “التحول المحجوز“، وهو القائم على فرضية أن التعددية التي خلفت تحلل نظام الاستبداد الشعبوي الناصري مآلها المحتوم هو التحول لديمقراطية من نوع ما، وكاد النقاش يقتصر على ابتداع نوع الديمقراطية الملائم لـ“خصوصيتنا الثقافية والحضارية والدينية“، وأصبح موضوع الإسلام والديمقراطية موضوعا مأثورا في مئات رسائل الماجستير والدكتوراه، شرقا وغربا، عربا وعجما، ومعه نقاشات لا حصر لها عن كونية حقوق الانسان أو خصوصيتها، وعود أبدي للغو الأصالة والمعاصرة وفيض من الخرافات الاستشراقية المحدثة حول “الجواهر الحضارية” للغرب المسيحي والشرق الإسلامي، وعن الديمقراطية والشورى، وحقوق المرأة في الإسلام وحقوق الانسان في الاسلام، وعن أي شئ يترائى لباحث طموح البحث فيه في الإسلام. فنحن في عصر الهويات بامتياز، وليس من سبيل للحصول على منحة دراسية سخية أيسر من التعمق في خاصية أو خصوصية ما في الإسلام من شأنها أن تبين كيف أن “الشرق شرق والغرب غرب“، وربما تقترح وسطا ذهبيا ما لديمقراطية إسلامية ما، تسمح بحوار الحضارات وتبادل السلع والخدمات والاستثمارات.

ما طرحته في الورقة المشار لها أعلاه، وما أعيد طرحه هنا، هو أننا لم نكن قط بصدد تحول أو انتقال “محجوز” أو بطئ أو متباطئ بفعل عوائق الخصوصية الثقافية/الدينية أو عناد بيروقراطية ناصرية مزعومة أو ضعف الطبقة الوسطى أو صغر حجم القطاع الخاص أو لقصور اجراءات تحرير السوق والخصخصة بفعل “عقدة 18 و19 يناير“، وغيرها من خرافات الحكم العامة الشائعة وقتها، ولكن أن تحولا نوعيا قد حدث بالفعل، وانه لم يكن تحولا من الاستبداد الشعبوي الناصري ومجاله السياسي المؤمم نحو “تعددية” ليبرالية الطابع، اسلامية النكهة، مثلما طرحت جماعة الخبراء غربا وشرقا، ولكنه كان تحولا للأوليجاركية، حيث خصخصة المجال السياسي لا تساوي “تحريره”ولكن تصفيته، وحيث المقابل السياسي “لتحرير” الاقتصاد ليس تحرير السياسة ولكن خصخصة الدولة.

دعنا نوضح ما نقصده بالأوليجاركية، والشائع عنها هو الاشارة لنوع من اتحاد السلطة السياسية والمال، وهو صحيح وإن ليس بكاف إذا لم نوضح أن ذلك الاتحاد يتم من وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه. وهي ظاهرة مصاحبة للدولة الرأسمالية في كل الأحوال، تتسع أو تنقبض في علاقة مع طابع أسلوب الانتاج وشروط تطوره، والمسار التاريخي للصراع الاجتماعي. وهو ما يقودنا إلى ضرورة التمييز بين طابع أوليجاركي لنظام رأسمالي ما وبين طغيان الطابع الأوليجاركي إلى الحد الذي يسم فيه النظام بأكمله.أوليجاركية النظام الروسي تحت بوتين واضحة للعيان ويكاد يجمع عليها الكل، ولكن ماذا عن الطابع الأوليجاركي المتنام للرأسمالية الأمريكية ورئيسها (الجمهوري) دوايت أيزنهاور يحذر في الخمسينيات من نفوذ ما أسماه هو بـ“المجمع العسكري–الصناعي“، وقد قطع أشواطا بعيدة في التضخم والتبلور منذ ذلك الحين.

حين تصاحب الأوليجاركية ديمقراطية تمثيلية تبدو كنوع من الغش والاحتيال وهي كذلك فعلا. فالديمقراطية التمثيلية، كما سبقت الاشارة، تفترض أرضا مستوية إلى هذا الحد أو ذاك لتنافس الرأسماليين أفرادا ومجموعات وكتل، لا حول مصالحهم الاقتصادية فحسب وانما أيضا حول الرؤى المختلفة والمتباينة والمتنازعة بين صفوفهم في كيفية تحقيق مصلحة النظام ككل، أي الهيمنة. فالبرجوازية على حد تعبير أنطونيو جرامشي ليست“يهودي قذر” (وعذرا على العبارة العنصرية وجرامشي يستخدمه تهكما على النزعة المعادية لليهود المهيمنة في عصره) يسعى أفرادها ومجموعاتها وراء مصالحهم الاقتصادية المباشرة فحسب وانما يمتلكون تصورات ورؤى عامة تأخذ شكل الفكر والسياسة والثقافة والدين بما يحافظ على صيرورة النظام ويضمن خضوع بل وقبول الطبقات المسودة. ومثل هذه الرؤى تتبلور وتتحقق وتتنافس عبر آليات تقسيم العمل الاجتماعي من خلال المفكرين والأكاديميين ورجال الدين وبطبيعة الحال، الأحزاب السياسية، وساحة التنافس الأساسية هي المجال السياسي. وهي تفترض أيضا قدرا من الاستقلال النسبي لكل من الدولة والمجال السياسي عن كتل البرجوازية ومجموعاتها وأفرادها، تأكيدا لمقتضيات الهيمنة، أي لضرورة النظر للمصالح العامة للمجتمع البرجوازي ككل ولمقتضيات صيرورته واستقراره وليس الانحياز للمصالح المباشرة لهذه الكتلة أو تلك من الرأسماليين. هذا الاستقلال النسبي هو الذي مكن في الدول الديمقراطية من “الاتفاق الجديد” (أو الـ New Deal) لفرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة ومن صعود الأحزاب العمالية للسلطة في أنحاء أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس دولة الرفاه، في صلة وثيقة، بطبيعة الحال وكما سبقت الاشارة، بتطور الصراع الطبقي محليا وعالميا. وهو أيضا الذي قامت على أرضه دول السلطوية الشعبوية عندنا وعند غيرنا من البلدان، ليصل حد توجيه الضربات القاسمة للبرجوازية حفاظا على الرأسمالية ولأن تحل البرجوازية البيروقراطية محلها كفئة طبقية سائدة.

تتحايل الأوليجاركية على هذا كله بروابط مباشرة بين مجموعات وكتل رأسمالية كبرى وبين البيروقراطية، وبمعنى أدق قمم جهاز الدولة، أي البرجوازية البيروقراطية. مثل هذه الروابط والاتحادات تتشكل وتفعل فعلها من وراء ظهر المجال السياسي وتخلق – بقدر استفحالها واتساع نفوذها – أمرا واقعا يحاصر ذلك المجال ويشكل قيودا صارمة على الاختيارات المتاحة أمامه. (يندر أن تجد جنرالا أمريكيا مهما لا يعلم خير العلم ان وظيفة دسمة تنتظره عند التقاعد في أحدى الشركات الكبرى التي كان يتعامل معها وهو في الخدمة). كما أن التطور الأوليجاركي لا يحاصر المجال السياسي ويحيده ويعقمه بشكل متزايد فحسب، ولكنه يفسده هو نفسه. (الزعيم “العمالي” توني بلير يقبض ثمن دوره البارز في تدمير العراق بتعاقدات خليجية بعشرات الملايين، والوظائف الدسمة في القطاع الخاص الأمريكي لا تقتصر على الجنرالات ولكن تشمل كبار أعضاء الكونجرس والسياسيين وكبار موظفي الدولة، بما فيهم رؤساء الدولة أنفسهم؛ وفي دولة من أكثر دول الغرب ديمقراطية، ألمانيا، يتولى رئيس الوزراء “الاشتراكي الديمقراطي” جيرهارد شرودر لدى تقاعده – وبفضل الرئيس الروسي بوتين – رئاسة مشروع خط أنابيب الغاز لشمال أوروبا، وهو الخط نفسه الذي تعاقد عليه شرودر مع بوتين إبان رئاسته للوزراء، فالأوليجاركية معولمة بطبيعة الحال).

الجميع تقريبا يقرون هذه الأيام (وبعد انتهاء حفلة “نهاية التاريخ” التسعينية) بأزمة الديمقراطية التمثيلية، وبأزمة السياسة، وبأزمة الأحزاب السياسية، وبإنصراف الناس عموما والشباب خصوصا عن العملية السياسية في الدول الديمقراطية، وتقدم الأرقام المتناقصة طرديا للمشاركة في الانتخابات ولعضوية الأحزاب السياسية تدليلا على تفاقم الأزمة. بل ويذهب باحثون إعلاميون إلى أن الأزمة الطاحنة التي تعيشها الصحافة المطبوعة في كل مكان لا تعود لبروز الفضاء الالكتروني المحدث ولكن لتراجع السياسة، ويربط بعضهم رقميا بين انخفاض عضوية الاحزاب السياسية والإقبال على الانتخابات في أوروبا وبين انخفاض توزيع الصحف فيها. ما لا يقر به الجميع مع ذلك هو أن هذه الأزمة وليدة استفحال الطابع الأوليجاركي للرأسمالية العالمية المعولمة في هذه المرحلة من حياتها، وما ترتب عليه بالضرورة من تهميش متزايد للمجال السياسي حيث لا فرق ذي بال بين “أحمد والحاج أحمد“.

ربما كان من الطبيعي أن ينعكس انهيار الإتحاد السوفيتي و“معسكره الاشتراكي”والنهاية الفعلية لعصر التحرر الوطني عالميا (حيث لم تعد هناك قضية وطنية كبرى في عالم اليوم غير القضية الفلسطينية، وقد همشتها خدعة أوسلو)، ومشهد موجات التحويل الديمقراطي أو “المقرطة” في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا، فضلا عن الديمومة الكؤود للاستبداد البوليسي المتوحش فيما بات الجميع يطلقون عليه صراحة “الاستثناء العربي/الاسلامي“، ربما كان من الطبيعي أن ينعكس هذا كله علينا بشيوع نوع من السذاجة في فهمنا لقضية الديمقراطية وتشبعه بالأوهام والأساطير الليبرالية. ومع ذلك ورغمه، فقد جاءت الثورة المصرية والثورات العربية لتقول: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية، متجاوزة الوعي الشائع من ناحية، وغير مسلحة كفاية لتحقيق مثل هذا التجاوز من ناحية أخرى. وهذا نقاش أخر.

لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يُضعِف المجال السياسي ويهمشه فحسب ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود، وهو ما بدأ المصريون في ادراكه مع بزوغ الألفية الثانية والعقد الثالث لحكم مبارك وطغمته لتشيع مقولات من نوع “تبوير”و“تجريف” المجال السياسي، وأظنها لهيكل.

تعددت الأسباب والموت واحد. الكثير من العناصر ساهمت في النجاح الساحق للمباركية في تصفية المجال السياسي وصولا به لزهو “خليهم يتسلوا“، ولكن أهمها على الاطلاق يكمن في الخصائص المتشابكة للتشكل التاريخي للبرجوازية المصرية، ولا نعني بها مجرد طابع اقتصادها ولكن أيضا تجربتها التاريخية وطبيعة تكوينها البشري ومن ثم مكونات وخصائص وعيها بذاتها وبالدولة والمجتمع والعالم. ومن المهم في هذا الصدد أن نلفت النظر لخلط شائع وهو الميل لاختزال البرجوازية المصرية في تلك المجموعة القليلة من كبار الأوليجارك المعروفين إسما وأسرا وروابطا وبيزنس وثروة، وما خفي كان أعظم. نحن في الواقع نتحدث عن طبقة عريضة تتنوع تنوعا كبيرا في أصولها وثقافتها وأنواع نشاطها الاقتصادي وميولها الفكرية والثقافية والقيمية (ولعل أكثر هذه بروزا موقفها من الدين)تمتد من العاصمة والمدن الكبرى إلى آلاف البلدان الكبيرة والصغيرة والقرى والعزب.ولكن، ولأنها ليست شذرات أفراد يعرفون بموقعهم من علاقات الانتاج، ولكن طبقة اجتماعية تشكلت تاريخيا، فهي تمتلك وعيا مشتركا بذاتها وبمصالحها وبعلاقاتها بالآخرين، حلفاءً أو خصوم.

الخصائص الفكرية والثقافية والقيمية والأنماط السلوكية للبرجوازية المصرية تستدعي عشرات الدراسات الأنثروبولوجية المهمة وربما الممتعة، فنحن حقا إزاء “طبقة سطيحة وعاملة فصيحة وجايبة العار” على حد قول الرائع أحمد فؤاد نجم. ولكن موضوعنا هنا هو علاقتها بالسياسة وبالدولة. ولعلي ألاحظ بداية مظهرا طالما أثار حيرتي، وهو افتقاد البرجوازية المصرية شبه التام لما يطلق عليه بالانجليزية الـ civic spirit، أو الروح المدنية(ومدنية هنا ليست مرادفة لعلمانية، وهو مصطلح “التقية” الذي اقتحم حياتنا مؤخرا تجنبا لكلمة “علمانية” والعياذ بالله). الروح المدنية هنا تعني الحد الأدنى من ادراك المواطن لأن مصالحه الخاصة تقتضي درجة من الاهتمام بما حوله سواء في مجتمعه المحلي أو في المجتمع ككل، أي أن لا يكتفي مثلا بأن يكون مسكنه حلوا مريحا به لمسة من جمال قدر استطاعته وتبعا لذوقه الجمالي، ولكن أن يكون شارعه والحي الذي يقطنه كذلك. البرجوازيون المصريون يتنافسون على عدد وحجم وفخامة ما يمتلكنه من فيلات شتوية وصيفية، ولا يضيرهم أن تحيطها أكوام القمامة والشوارع المهشمة من كل جانب.هي نفسية “ست البيت” التي تحرص كل الحرص على أن تحافظ على بيتها نظيفا لامعا وتلقي بالمياه الوسخة وربما القمامة من الشباك على الشارع أسفل الدار.

مثال طالما أذهلني هو حي الزمالك. جزيرة لا تكاد تحوي غير البرجوازيين القدامى منهم والمحدثين وخدمهم، ومع ذلك تهدم الأبنية القديمة الجميلة أو تترك لتتآكل وتنهار حتى يشيد مكانها المولات والعمارات الشاهقة متنافسة في قبحها وفي افسادها الهواء واعاقتها المرور؛ القمامة والشوارع المهدمة في كل مكان، ولكن لا ينتفض أهل الحي احتجاجا إلا حين تطرح الحكومة مشروعا لإقامة محطة لمترو الأنفاق في وسطهم، فلا مانع عندهم من احتمال الاختناق المروري المروع وفساد الهواء من عوادم أرتال السيارات طالما يقفل الطريق ولو جزئيا على قدوم “الرعاع“.

قصة حي الزمالك تكاد تلخص علاقة البرجوازية المصرية بالمجال السياسي وبدولتها:الحماية من “الرعاع“، وصفقات البيزنس منتهى طموحها “المدني“، أما القمامة وما عداها من أمور تتعلق بالحي أو المدينة أو الوطن فقد اعتادت ترك “العيش لخبازينه” – أي الدولة، وبالأحرى القائمين عليها.

ولكن للقصة ملحق، وهو الهروب للمجمعات السكنية المسورة والمحاطة بشرطة مخصخصة يملكها ويديرها كبار رجال شرطة متقاعدون، مجمعات لا يطرقها من “الرعاع”غير الخدم تحت أعين رجال الأمن الخاص والعام، أما قاهرة المعز وحضارة الـ7000 سنة فلتترك تتهاوى على سكانها والاستثمار العقاري يعلو على الميراث الحضاري(فالسياحة مضروبة وسواح اليوم يفضلون الشواطئ على الأثار).

المهم هو البيزنس والأمان.

 

المجال السياسي بين النهوض والاندحار

البرجوازية المصرية لا تحب السياسة، ولم تعهدها إلا لفترات محدودة من حياتها، ارتبطت فيها بالنضال الوطني العام ضد الاحتلال البريطاني والقصر وهيمنة الأرستقراطية الشركسية، ليحكم حزبها التاريخي -حزب الوفد- لمدة لم تتجاوز ست سنوات متقطعة، وحتى حين يتولى سدة الحكم مشاركة بينه وبين الإنجليز والقصر، تدفعه الحركة الجماهيرية من الخلف ويرده أولئك كحائط سد من الأمام، فتُحل الحكومات الوفدية وتقام حكومات الأقلية وتعلن حالات الطوارئ؛ والبرجوازية المصرية تتراوح بين هذا وذاك، لنشهد الانسلاخات والتحولات الرجعية في صفوفها، ماثلة في انسلاخات حزبية متتالية تشكل منها “حكومات الأقلية”، وليزداد حزب الوفد نفسه ارتباكا وترددا ووجلا، ويقوى نفوذ اليمين داخل قيادته (ورمزها الأهم صعود فؤاد سراج الدين باشا لموقع القيادة الثانية للحزب)، مصحوبا بفضائح الفساد وفضائح أخرى لا داعي لذكرها، تصب الوقود في ماكينات اليمين من جهة، وتسهم في بلورة راديكالية وطنية لا ديمقراطية متأثرة بالفاشية الأوروبية من جهة ثانية.

اللحظة الفاصلة في 51: تصاعد عارم للحركة الجماهيرية يتجاوز القيادة البرجوازية ويتحدى هيمنتها ليفتح أفاقا جديدة للنضال الوطني، تربطه ربطا وثيقا بالطبقي والاجتماعي، يدفع بحزب البرجوازية الكبير دفعا لاتخاذ أكثر خطواته راديكالية –فيعلن زعيم حزب الوفد “والأمة” الغاء معاهدة 36 من جانب واحد– ليصاب بعدها حزبه بالشلل التام، بعد أن فتح بابا لا قبل له بالخطو ولو خطوة واحدة عبره. انها لحظة “كلاسيكية” إذا جاز التعبير: “البرجوازية لم تعد قادرة، والطبقات العاملة ليست قادرة بعد”، ليأتي الانقاذ من داخل جهاز الدولة وأدوات القسر فيه بالذات.

ولكن دعنا نتوقف قليلا هنا لنربط تلك اللحظة التاريخية بسياق نقاشنا، ولنبين ما أقترحه مظهرا متكررا لمسار الصراع السياسي والاجتماعي في مصر منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا:

المقولة الشهيرة لكارل ماركس في تفسير الظاهرة “البونابرتية” في فرنسا في حلقتيها: “التراجيدية” (نابوليون بونابرت) والملهاة (لويس بونابرت) تلقي الضوء على جوهر لحظات متكررة في مسارات الصراع الاجتماعي في عالمنا الحديث، حيث توازن القوى بين البرجوازية والطبقات الشعبية يصيب الجميع بالشلل. البرجوازية لم تعد قادرة والكادحون غير قادرين بعد، فيأتي المخلص مستندا لأجهزة القسر في الدولة ليعيد “الاستقرار” وينهي “الفوضى”، محققا لبعض من مطالب وطموحات الكادحين من فوق (بشرط تسريحها وقمع حركتها المسقلة) في حالات، وساحقا لتلك المطالب والطموحات بدعوى استعادة الاستقرار في حالات أخرى. وفي الحالتين تُسلِم جمهرة البرجوازية بالاستنكاف عن الحكم من خلال المجال السياسي مفوضة أمرها للزعيم/الديكتاتور.

ولكن ماذا لو أعدنا صياغة المقولات السابقة بصورة مختلفة بعض الشيئ؟ الضغط الجماهيري من القوة بحيث يصيب البرجوازية بالوجل والذعر ويشل قدرتها على الحكم من خلال المجال السياسي ورغبتها فيه، ولكنه وفي الوقت نفسه أضعف من أن يجبرها على العودة للمجال السياسي معدَلا إلى هذا الحد أو ذاك بما يفسح مساحة أوسع للطبقات الشعبية للتعبير عن مصالحهم والتأثير في العملية السياسية والدولة البرجوازية، وهو ما يرتبط في كل الأحوال -وكما أوضحنا أعلاه- بمحاولات البرجوازية ودولتها احتواء ذلك التأثير وتعقيمه والتحايل عليه.

صحيح أن هناك إمكانية أخرى -وهي التي قصدها ماركس- وهي تجاوز المجتمع البرجوازي ودولته الرأسمالية تماما واحلالهما بدولة ومجتمع من نوع جديد، أي بالاشتراكية. ولكن لعل التاريخ علمنا أن مثل هذا التجاوز لا يتم بخبطة واحدة قاضية وإنما بـ”ثورة مستمرة” جلها تعميق الديمقراطية وتوسيعها إلى أقصى حد. فالنضال الحقيقي من أجل الديمقراطية في عصرنا ما هو إلا نضال ضد الرأسمالية وعلى حسابها، وما الاشتراكية –كما سبق أن اقتبسنا –إلا أقصى تحقيق للديمقراطية: “الديمقراطية الأتم” (على حد القول المأثور للينين)، ونزيد عليه انها أيضا وبوصفها كذلك، الانتصار الناجز للسياسة وتحققها الأعلى، من حيث هي التحقيق المتنام لسيادة المستوى السياسي في المجتمع، أي لإخضاع العلاقات الاجتماعية بين البشر لاختياراتهم الواعية، وليس لغلالة قدرية قهرية مبهمة تتحكم في تلك الاختيارات وتخضعها لقوانينها، مخفية حقيقتها كعلاقات بين البشر وراء ستار العلاقات بين الأشياء. وبعبارة أخرى، هي الإعلاء الأتم والأكثر اكتمالا للإرادة السياسية المتحققة والفاعلة للناس.

أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

اللحظتان الأولى والثانية، وتأتيان متتابعتين مترابطتين: أولهما لحظة 51، وسبق أن عرجنا عليها سريعا (وأنصح كل من لم يقرأ الدراسة الرائعة للأستاذ طارق البشري “الحركة السياسية في مصر 1954-1953” بأن يفعل)، وفيها نشهد كما سبقت الاشارة، الشلل يدب في أوصال حزب البرجوازية الأكبر، حزب الوفد– هو وطبقته –بعد أن أقبل على الغاء معاهدة 36 مع الإنجليز تحت ضغط التصاعد العارم للحركة الجماهيرية؛ فحريق القاهرة في يناير 52 وإزاحة الوفد من الحكم بغير مقاومة وإعلان حالة الطوارئ، فالاقتحام التاريخي للبكباشي جمال عبد الناصر وضباطه الأحرار لحلبة الصراع السياسي في يوليو من العام نفسه، مشبعين براديكالية وطنية مختلطة بالعداء للديمقراطية وللحياة الحزبية تأثرا بالفاشية الأوروبية وبحركة الإخوان المسلمين من ناحية، وبالعجز والعقم الذي أصاب القيادة البرجوازية للحركة السياسية في البلاد من ناحية أخرى.

في غضون عامين تأتي اللحظة الثانية: أزمة 54. ويروي عنها عبد الناصر نفسه (في مجرى حواراته مع السياسيين السوريين في مباحثات الوحدة المصرية السورية): “الجميع كانوا ضدنا”. وكان الضباط الأحرار قد خنثوا بعهدهم باستعادة “حياة ديمقراطية سليمة”، فحلوا الأحزاب وصادروا الحريات العامة، فكانت المحاولة الأخيرة لحزب الوفد والقوى الديمقراطية، وانضم لهم الإخوان المسلمون لاستعادة الحريات والحياة الحزبية، مستفيدين من صراعات داخل صفوف الظباط الأحرار أنفسهم، ولكنها كانت أشبه بالمحاولة اليائسة من الجميع: حزب الوفد، أو ما تبقى منه، بات من الناحية الأساسية حزبا بلا قاعدة طبقية أو جماهيرية، فجمهرة البرجوازية كانت قد أخذت في التبرؤ منه والانسلاخ عنه خوفا ووجلا قبل حركة الضباط الأحرار، فما أن تأتي هذه حتى ينبعث فيها الاطمئنان، وتنبري ترحب بسطوة الضباط الشباب وبإجراءاتهم المعادية للديمقراطية، ترحيبها بالمخلص والمنقذ من مصير مخيف مجهول.

القواعد الجماهيرية للحزب بدورها تفقد ثقتها فيه والتفافها حوله منذ زمن، وموقف الحزب من الاصلاح الزراعي الناصري يفقده قواعده الفلاحية. أما القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها المنظمات الماركسية، فمرتبكة بدورها، حيث لا يتسع خيالها الاستراتيجي لتصور طريقا مستقلا للنضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني لا يشمل تحالفا ما مع هذا القسم من البرجوازية أو ذاك (فتبقى حائرة بين الضباط الأحرار واصلاحهم الزراعي من جهة وحزب الوفد واستعادة الحياة الحزبية من جهة أخرى)، ولا هي نجحت بعد في بناء صلات وطيدة بما يكفي مع الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين تسمح لها بشق مثل ذلك الطريق، فضلا عن الأثر الفادح عليهم للموقف السوفيتي من القضية الفلسطينية البازغة حينئذ كقضية وطنية كبرى مصرية بامتياز. والإخوان المسلمون من ناحيتهم (ولا تُقطع لهم عادة) يطمحون ويسعون في بادئ الأمر لركوب حركة الضباط الأحرار وصبغ الديكتاتورية العسكرية بالصبغة الدينية، وما يترتب عليه من مشاركة في الحكم. وعند فشل المحاولة يذهبون يتمسحون بالديمقراطية وباستعادة الحياة الحزبية، بعد أن أيدوا بحماس حل الأحزاب. وكان الضباط الأحرار قد استثنوهم وحدهم من قرار الحل بحجة انهم جماعة وليسوا حزبا.

وللمرة الثانية، تتخلى البرجوازية عن الحكم من خلال المجال السياسي (بما في ذلك حزبها التاريخي) خنوعا لسطوة البيروقراطية، كمنقذ من خطر الجماهير الشعبية، بينما هذه الأخيرة ليست بعد من القوة لإجبار البرجوازية على الحكم السياسي.

اللحظة الثالثة حافلة بالتناقضات، فالهيمنة الناصرية تتهاوى تحت تأثير الهزيمة الفاجعة في يونيو 67، مطلقة حركة جماهيرية تتصاعد بسرعة هائلة، لا ردا على الهزيمة فحسب ولكن لتطرق آفاقا جديدة في النضال الوطني والاجتماعي وسبيلها الأول هو كسر تأميم المجال السياسي التعبوي ومصادرته البيروقراطية والبوليسية، لتبعث مجالا سياسيا جديدا يناضل بشراسة لفرض شرعيته، ينطلق في الشوارع وفي الجامعات والمصانع وفي حركات فلاحية بازغة. مجال سياسي جديد يولد من خارج المجال السياسي البيروقراطي المؤمم والفاسد حتى النخاع، يُقابل بالقمع، يجدد وجل البرجوازية وذعرها من الكادحين، ولكن مرة أخرى يبقى أضعف من أن يجبرها على فتح المجال السياسي حتى وإن باتت مواصلة تأميمه مستحيلة.

قلت سابقا: تعددت الأسباب والموت واحد. البرجوازية البيروقراطية وقد حولت نفسها للفئة السائدة في البرجوازية المصرية ضجرت بالعقد الاجتماعي الناصري وبالمعارك الوطنية، تتطلع باشتياق محموم للعودة لمكانها الطبيعي بين أقرانها وحلفائها الطبيعيين في الرأسمالية العالمية ولتحويل ملكيتها العامة لملكية خاصة لأفرادها وجماعاتها ولتوطيد اندماجها مع الرأسمالية الخاصة محليا وإقليميا وعالميا، وكله يضعها في صدام محتوم وشرس مع جماهير الكادحين في البلاد، ويضاعف من خوفها التاريخي من خطرهم.

“نصر” أكتوبر يسحب بعض من الأرض من تحت الحركة الجماهيرية الصاعدة ويدعم شرعية الديكتاتور الجديد ويقوي من قبضته الاستبدادية، ويفتح في الوقت نفسه الطريق أمام بناء أواصر التحالف مع الإمبريالية العالمية والولايات المتحدة على رأسها، ومسيرة المصالحة مع إسرائيل تضحية بالقضية الفلسطينية وقد باتت عند البرجوازية المصرية عبئا لا يحتمل. وعلى الجانب الأخر تهدر الفرصة التاريخية لمقاومة ضروس تشنها الحركة العمالية في وجه العدوان الضاري على الحقوق والمكتسبات الأساسية للطبقة العاملة ولجماهير الكادحين والفقراء في أنحاء البلاد؛ تهدر وتبدد تلك، وكانت تحمل في رأيي إمكانية حقيقية للتبلور كحركة مقاومة شعبية سياسية واجتماعية شاملة، لعل كان من شأنها أن تفرض مجالا سياسيا ديمقراطيا وتقطع الطريق على التحول الأوليجاركي المدمر الذي عشنا في أسره ثلاثين عاما وما زلنا.

أما اللحظة الرابعة فهي الثورة المصرية الكبرى في 25 يناير 2011.


ثورة السياسة وسياسة الثورة

صبيحة 25 يناير 2011 وجدتني في منزلي أتشافى من أزمة قلبية، وأتابع بضجر وحسرة ما ستنجم عنه الدعوة “الفيس بوكية” للتظاهر بمناسبة “عيد شرطة” كانت قد تحولت منذ زمن لميليشيا همجية مطلقة العقال لا يحد من عنفها وتجبرها وتوحشها في مواجهة فقراء الوطن وكادحيه عرف أو قانون. توقعي المبني على عشرات التجارب والمحاولات السابقة أن بضعة مئات من الشباب وقلة من “العواجيز” من أمثالي سيلوح طيفهم في بعض شوارع وسط العاصمة، محاصرين بأضعافهم من قوات الأمن المدججين بأدوات العنف، بالدروع وسترات الكفلر، بالهروات والبنادق وقنابل الغاز، بالملبس الميري والمدني (الكومبارس المعهود والمفضوح من”المواطنين الشرفاء”)، وما تنقضي دقائق حتى “يلمون” بالعنف المعهود في “بوكسات” الشرطة، ختاما حزينا تعسا لمحاولة يائسة جديدة من قبل ما بات يصطلح عليه بـ”النخبة المثقفة”.

ساعات تمضي وتستشيرني زوجتي فيما إذا كنا نرسل ببناتنا الصغيرات للمدرسة صباح اليوم التالي، فيجئ ردي مفاجئا لي نفسي: بالقطع لا، فنحن إزاء شيئا جديدا تماما… بل وقد نكون إزاء ثورة شعبية شاملة. أهمس الجملة الأخيرة متحفظا، وجلا، مترددا، والقلب الواهن يختلج ما بين أمل طال انتظاره وتجربة حياة مكتظة بالآمال المحطمة.

بعدها بأيام معدودة أجدني على مكتبي في الأهرام (فلا وقت للاستشفاء) أكتب محتفلا بالمولد الجديد للمجال السياسي في بلادنا بعد موت دام ثلاثين عاما ونيف، أشبهه بمولد الإلهة الإغريقية أثينا وقد ولدت من جبهة أبيها زوس مسلحة، كاملة النضج، مكتملة العتاد. وربما كان حري بي أن أشبه ذلك المولد الجديد بالعنقاء، تنبعث مشتعلة متوهجة من الرماد، ولما لا؟ فالخلان الأوفياء لشعبهم ووطنهم وللتوق الإنساني الأصيل للحرية بالملايين في شوارع البلاد وميادينها، يقاتلون وهم عزل وببطولة منقطعة النظير جحافل الغيلان المدججة بالسلاح والتوحش – بصيادي العيون والأرواح ومفترسي النساء والأطفال، وإذا ما كان الغول والخل الوفي ليسا من المستحيلات فلم لا تكون العنقاء؟

في 25 يناير 2011 انفجر المجال السياسي فجأة، مندفعا كالبركان من تحت القشرة الأرضية الجرداء المتكلسة والمتعفنة للرأسمالية المصرية وحكمها الأوليجاركي، ولد كالعنقاء، مشتعلا، صاخبا، متوهجا، رائعا في بهائه، مدهشا في خصوبته وابداعه ونبل قيمه؛ ولد يصرخ بالحرية والعدالة الاجتماعية ويكشف عن بطولة واقدام واستعداد للتضحية يندر لها مثيل في التاريخ الإنساني كله، ويجدر بها أن تسطر كصفحة ناصعة في ذلك التاريخ (من يتذكر 28 يناير ومعركة “الجمل”وبطولات محمد محمود؟).

غير أنني -وفي غمرة حماس وبهجة شيخ كتب له أن يعيش ليشهد حلم عمر كامل وقد صار ملء السمع والبصر، يتحقق مفاجئا، مدهشا على أيدي جيل الأبناء- أخطأت التشبيه باستدعاء الأسطورة الإغريقية، فلم يكن المولود الجديد كأثينا، كامل النضج، مكتمل التسلح والعتاد. وكيف كان له أن يكون كذلك بعد ثلاثين عاما من الموت الزؤام؟ فها هنا الفجوة بين الواقع والأسطورة. ولهذا الإدراك بالتحديد فإن دعوتي المتكررة، منذ ما بعد الصيحة الأخيرة للثورة المصرية في 30 يونية 2013، لقراءة نقدية لتجربة الثورة لا تتعلق بمحاسبة ما جرى، بقدر ما هي دعوة للتعلم مما جرى، هي دعوة للتسلح للمستقبل لا للتحسر على الماضي.

ليس هذا موضوعنا هنا على أية حال، وإن كنت آمل أن يسهم نقاشنا هنا في إلقاء قليل من الضوء على بعض من عناصره.

شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها وزيجة الشؤم والخراب بينهما، وقوامها جشع ونهم ونهب غير محدود وقهر وبطش لا تحده حدود.

في الأقسام السابقة حاولت تبيان حقيقة أن البرجوازية في كل مكان، ورغم التنوع الشديد في أنماط نشأتها وصيرورتها ومسارات الصراع الاجتماعي المحيط بها، لا تختار الحكم من خلال المجال السياسي بملئ ارادتها المنفردة، حرصا على قدر من استواء الأرض فيما بين أجنحتها ومجموعاتها المتنافسة اقتصاديا والمختلفة بالضرورة في رؤاها لمقتضيات الهيمنة والحفاظ على مصالحها ككل، وإنها إذا اختارته فتختاره مقيدا محاصرا مقتصرا عليها قدر الإمكان، مغلقا على غيرها قدر الاستطاعة، ومن ثم فإن ما شهدناه تاريخيا من توسيع للمجال السياسي وللديمقراطية لم يكن له أن يتحقق إلا إجبارا على أيدي الطبقات العاملة وتحت الضغط الهائل والمتواصل لكفاحات باسلة، وبينّا أيضا أنه ما أن تثمر هذه الكفاحات عن توسيع وتعميق للمجال السياسي، ومن ثم للديمقراطية، حتى تشرع البرجوازية في التأمر عليه، تقزيما وحصارا والتفافا.

وإذا كان الأمر كذلك فيما يتعلق بأعرق البرجوازيات “ديمقراطية” وحكما من خلال المجال السياسي (ونموذجا الولايات المتحدة وبريطانيا على رأسها) فما بالنا ببرجوازية لم تعهد الحكم السياسي إلا لماما، ودفعت ثمنا غاليا لتخليها عنه تحت الهراوات الناصرية (وما زلت أذكر بقدر من التشفي عويل بعض من ٍأقارب وأصدقاء الأسرة حسرة على “تأميمهم”، ومصادرة أملاكهم، وشكواهم المرة المريرة من “تجرؤ الرعاع والحثالة على أسيادهم” بسبب عبد الناصر). هي طبقة تشكلت وأعيد تشكيلها في ظل الاستبداد وتحت حمايته ورعايته فضلا عن ضرباته وإذلاله، وعاشت لتشهد تحققا “لنبوءة” يوسف السباعي في “رد قلبي”، بزواج علي (الضابط ابن خولي العزبة) بإنجي بنت الباشا (وهو ما يتحقق فعلا وباتساع مذهل في جيل الأبناء والبنات) – زيجة شؤم حرفيا ومجازا، تأبى البرجوازية عبرها ومن خلالها أن تختار اخضاع البيروقراطية (بعد طول هوان على أيديها بالذات) لإرادتها السياسية من خلال إحياء المجال السياسي، (فعبره ينفذ “رعاع” يناير 77)، ولكن من خلال نسج شباك عنكبوتيه حافلة بالصلات المباشرة بين كبار رجال البيروقراطية ورجال البيزنس، فـيُبَزنس البيروقراطيون ويتبقرط البزنسيون، وتتسع علاقات المصاهرة في حفلات ألف ليلة وليلة، ومعها وبجانبها الجيرة في المسكن والتسامر في النوادي وعلى شواطئ السواحل، وفي مآدب الغذاء والعشاء والإفطار والسحور في الشهر الكريم.

أما القوام الأساسي للبزنسة المشتركة فهو نهب الدولة وشفط ما تحقق من تراكم رأسمالي في ظل مرحلتها الناصرية، وتقسيم واعادة تقسيم الكعكة والمغانم، فضلا عن البزنسة الخارجية المتخمة بأموال النفط -من بيع الآثار لجلب السلاح- وكلها تحتاج الشراكة الوطيدة بين البيروقراطيين المبزنسين ورجال البيزنس المبقرطين. وتسري علاقات الشراكة هذه في أرجاء الطبقة من أعلى كبار الأوليجارك في العاصمة لأدنى الهرم في المدن الصغرى والقوى والنجوع، فتتدرج الروابط والشراكات والمصاهرات والصفقات والامتيازات من الأسرة الحاكمة على قمة الهرم إلى مأمور القسم أو مدير إدارة محلية ما في قرية أو نجع، فلا بيزنس ولا إدارة ولا حكم بغيرها.

هكذا تتحول مؤسسات المجال السياسي التعبوي المؤمم الموروثة من العهد الناصري بالتدريج لمؤسسات مجال سياسي مزيف وخاو بالكامل، وتبتر سيور الربط التعبوية بين الزعيم وقاعدته الشعبية، ولا يبقى من تلك المؤسسات غير الضبط والقمع، ويستفحل طابعها الأبوي لحدوده القصوى، وقد فقد كل محتوى سياسي، ولم يبق منه غير الشحاذة من أسفل ووهب العطايا (المتناقصة باضطراد) من أعلى، والمقترنة بالعدوان المتواصل والمتصاعد على الحقوق، تجسدها ببؤس مقيت صيحة “المنحة يا ريس” في “عيد العمال”، وتدار من أجهزة الأمن، حيث جهة قمع حركة الكادحين هي نفسها جهة التفاوض معهم، (أي أن تفاوض والمسدس في جبهتك)، وحيث لا حقوق مكتسبة وإنما عطايا في بعض الأحيان وقمع شرس في أكثرها.

يتحول “الحزب الحاكم”، ولم يكن في أي وقت حزبا سياسيا حقيقيا، لما يشبه الشركة المساهمة للبرجوازية البيروقراطية وبرجوازية القطاع الخاص، شبكة مصالح وأداة من أدوات عقد الصلات والصفقات والتنافس على الامتيازات، وكلها مرهونة بقوة وعمق الروابط مع كبار البيروقراطية، أما الدور التعبوي فقد شيع ودفن منذ زمن مع “التنظيم الطليعي” و”منظمة الشباب”، ليبقى القهر المادي والمعنوي باستخدام القمع البدني والروحي، وقد اتخذ صبغة دينية طاغية، وليبقى تنظيم علاقات المحسوبية أو الزبائنية كما يطلق عليها أحيانا -أي الـ (clientism)-  من “القمة للقاعدة”، من كبار الأوليجارك وصولا لبرجوازيي القرى والنجوع، وكل بـمحاسيبه وزبائنه، وكل بقدم في البيروقراطية وأخرى في القطاع الخاص، فضلا بطبيعة الحال عن التعاون الوثيق مع أجهزة الأمن في ادارة وتزويل العمليات الانتخابية حيثما توجد.

مع قدوم جمال مبارك للساحة يضاف للحزب الحاكم دورا جديدا مبتكرا وهو تجهيز عملية توريث الحكم.

والبرلمان، ولم يكن بدوره -منذ تأسيسه باسم مجلس الأمة، ثم مجلس الشعب ثم مجلس النواب- برلمانا بأي معنى متعارف عليه، يتحول بدوره إلى كيان أشبه بغرفة تجارة تسبح في بركة آسنة من الفاسدين. لطالما استبدت بنا الحيرة لمشاهدة انتخابات برلمانية تموج بالصخب والعنف، ويسقط فيها الضحايا بالعشرات، وتُطلق الأعيرة النارية وتُشهر السنج والمطاوي والسيوف، والمعركة ليست بين حكومة ومعارضة، أو بين حزب سياسي وآخر، ولكن بين مرشحي “الحزب” الحاكم نفسه، يتعاركون -كل بجحافل زبائنه- على كرسي كل قيمته تنبع من أنه يجاور كراسي أخرى، فيسمح بنسج الصلات البيزنسية والاقتراب من الامتيازات الخصوصية (وبمعنى أدق من منابع الغش والاحتيال، لا على الشعب فحسب ولكن على غيره من أبناء طبقته)، والمفاتيح كلها في أيدي رجال البيروقراطية الكبار. أما الزبائن الفقراء (المستندون على روابط عائلية أو قبلية حقيقية ومصطنعة) فلا حول لهم ولا قوة، فلم يعد لديهم سبيلا للدولة (للحصول على وظيفة تعسة في ادارة أو شركة ما، أو تصريح بكشك حلوى وسجائر، أو ربما لإنقاذ من البهدلة أو تخفيف لها في قسم شرطة) غير انتماءهم كزبائن لدى واحد من أمراء الحرب المبزنسين المبقرطين.

وكلها -وحسبما وصفها منذ بضعة عقود واحد من أبرز المفكرين الماركسيين المصريين- “شواهد قبور” على تصفية الحياة السياسية وتأميمها في العهد الناصري، (ونضيف): وعلى قتل المجال السياسي بأسره وسحقه سحقا في عهد الأوليجاركية المباركية. فالغرض الأهم في نهاية المطاف لوجود هيلمان المجال السياسي الزائف والكرتوني هو تبرير المنع البوليسي المسلح بالبطش المتوحش وبترسانة هائلة من القوانين الجائرة لكل (ولأي) مظهر للعمل السياسي أو النقابي أو الاجتماعي الخارج عن سطوتها والًمستقل عن طغيانها.

وُلد المجال السياسي المصري من جديد في غمار ثورة شعبية عارمة لم تشهد البلاد ما يماثلها حجما وفورانا واتساعا منذ ثورة 1919 (أي ما يقرب من قرن من الزمان) ومتجاوزا لها بمائة عام. فلم تكن ثورة الفقراء هذه المرة تسير وراء برجوازية وليدة، طرية العود، يدفعها الكفاح الشعبي إلى أمام، ولكن في مواجهة برجوازية انتصب عودها وتكلس وتعفن، هربت من كل سياسة متمترسة وراء بيروقراطية عاتية امتهنت القمع والإرهاب وبرعت فيه، مفضلة اللعب والتلاعب من وراء المجال سياسي وعلى حساب تجفيفه وتبويره وسحقه سحقا. ولد عاتيا، صاخبا، رحبا ينبض بطولة وإبداع. لكنه لم يولد بكل تأكيد كامل النضج، مكتمل العتاد، ولم يكن له أن يكون. وكيف يكون بعد 30 عاما من القتل التدريجي ولكن الشامل والعميق في الوقت نفسه؟

تتعفف البرجوازية المصرية عن بكرة أبيها وتمتنع عن النفاذ من النافذة شديدة الضيق التي فتحت بفعل تحلل العقد الاجتماعي الناصري وتحدي المقاومة الشعبية، والماثلة في التعددية الحزبية المقيدة التي أسسها السادات، يهرع أفرادها وجماعاتها، كبارا وصغار، خلف الدولة و”حزبها” السياسي، والمشهد الكوميدي لهرولتهم خلف السادات بعد أن ترك “حزب مصر” ليؤسس حزبا جديدا أسمه “الحزب الوطني الديمقراطي”. وكلا من حزبي الوفد والتجمع يشكلان نظريا مساحة محتملة لتحزب على الأقل جناحين سياسيين للبرجوازية، ولو تقليدا للجمهوري والديمقراطي في أمريكا، ويُتركان مع ذلك يصرخان –وبالأحرى- يهمسان ويبغبغان وحدهما في البرية.

الطبقات الشعبية، وقد وصلت مقاومتها لذروة جبارة في يناير 77، تبقى طوال تلك السنوات العاصفة أسيرة المعادلة مسدودة الأفق، فتملك من العنفوان ما يدب الفزع والذعر في البرجوازية، وتبقى عاجزة في الوقت نفسه عن أن تمتلك من القوة ما يمكنها من إجبارها جبرا على اختيار المجال السياسي سبيلا لهيمنتها، بكل ما ينطوي عليه مثل ذلك الاختيار من تنازلات من جهة وتحايل واستيعاب من جهة أخرى.

ويأتي الإخفاق تاريخيا، ساحقا، بعيد المدى، تتكدس فوقه وحوله الأسباب القهرية في صورة ضربات عنيفة، ماضية، متتالية، تسحق ما تبقى من روح متمردة. نعم، تتعدد الأسباب والموت واحد: انفجار هائل للثروة النفطية شرق البلاد وغربها يدفع بالملايين للهجرة بحثا عن الرزق عوضا عن الدفاع عنه، صعود ساحق للفكر الديني وللحركة الإسلامية يقتات في الوقت نفسه على الثروة النفطية المتفجرة وعلى استفحال الفاقة والعوز والتهميش المتلازم معه، وعلى اللعب مع الدولة (أو الدول) وعلى مشاعر السخط منها وعليها، يصعد من فوق كأيديولوجية للقهر ومن أسفل كسلوى وملاذ منه، ينهل من الاستشراق الغربي المستبطن ومن بزوغ عصر “الهوياتية “، ومن ميراث العداء للغرب الاستعماري، يتقوى بهزيمة المشروع القومي المعادي للإمبريالية وفي الوقت نفسه من انحطاط الفكر القومي لأكثر مكوناته تخلفا وديماجوجية – فيسهم بدوره في شل الإرادة السياسية للناس، حيث الخلاص في التقرب لله وإتقاء نقمته، في تحجيب النساء و”طهارة” البنات واطلاق اللحى وحف الشوارب وصلاة الجماعة بالزي الباكستاني أو الأفغاني، فضلا عن حرق الكتب المارقة والكنائس الكافرة المستكبرة.

ومع هذا وفوقه عقد كامل تختتم به بلادنا القرن العشرين بحرب متوحشة، دموية وقذرة بين الدولة الارهابية والارهاب الديني، تسهم بدورها -كما سبقت الإشارة- في شل كل إرادة سياسية للناس، وفي إخراجهم من أي ساحة للصراع السياسي، قائمة أو محتملة، وقد أودعوا مقاعد المتفرجين المذعورين على لعبة يتبارى فيها الخصوم في الكشف عن وحشيتهم وانحطاطهم الأخلاقي وتجردهم من الإنسانية.

وفي ظل موجات النفط والهجرة و”العودة” للدين وحروب الإرهاب تتحول بنية الاقتصاد المصري من بنية قوامها الانتاج الزراعي والصناعي لبنية اقتصادية يستفحل طابعا الريعي والمضارب باضطراد رهيب، فتقوم على نخر عظام التراكم الرأسمالي السابق، وتدويره وتوزيعه، وإعادة توزيعه، بالخصخصة والتطفل والنهب الصريح، وعلى شفط ما تيسر من أموال النفط بالمضاربة العقارية في “أراضي الدولة” (والأخيرة نموذج صارخ للفساد المتأصل والمستشري في صميم الزيجة الأوليجاركية للسلطة والمال)، وكلها تكرس إماتة المجال السياسي وتعيد انتاج أسبابه.

من جانبها تُضيع القوى المحتملة لمقاومة كل هذا ومواجهته نافذة فرصة تاريخية كبرى للمواجهة، ألا وهي النهوض العارم للكفاح العمالي في السبعينيات فيما شكل بالفعل معركة فاصلة، خاضتها الطبقة العاملة المصرية ببسالة واستماتة منقطعة النظير، دفاعا عن حقوق ومكتسبات شكل العدوان الضاري عليها من قبل الرأسمالية المصرية ثورة مضادة مكتملة الأركان. أُضيعت تلك الفرصة التاريخية في الحيرة ما بين مواجهة الخيانة الوطنية وما بين معركة طبقية سياسية بامتياز، يتعلق بمسارها كامل ميزان القوى الطبقة بين الرأسمالية والكادحين، أُضيعت تحت سطوة موروث أفكار ورؤى فكرية وسياسية وتنظيمية تكلست وبلت وشوهت، ونموذج الاتحاد السوفيتي ومعسكره “الاشتراكي” يقبض على العقول ويلثم سلاح النقد ويلجم الخيال، حتى بين رافضيه ومنتقديه؛ أُضيعت تحت وطأة ميراث تاريخي مديد لاستعلاء “المثقفين” وزهو “النخبة” ومفاهيم “الطليعة” و”الوعي والعفوية”، وقد اختلطت وتشابكت بالثنائية العتيقة للأفندية حاملي التنوير والدهماء أسرى “الفقر والجهل والمرض”، ونظيرها: المشايخ العارفين بصحيح الدين يرشدون القوم الجهلاء.

ودعنا هنا نتوقف قليلا أمام مظهرين بارزين من مظاهر الأوليجاركية المباركية وما حققته من نجاح في الإلغاء التام للمجال السياسي: أولهما يكمن فيما يمكن أن نطلق عليه القمع الانتقائي، وقد تمثل في قبضة بوليسية لينة إلى هذا الحد أو ذاك على ما اصطلح على تسميته بـ”النخبة المثقفة”، وهو في حد ذاته مسمى فظيع إذا ما تأملنا في مدلولاته، وذلك في مقابل دولة بوليسية همجية مطلقة العقال لا يحد من شراستها عرف ولا قانون في وجه الفقراء والطبقات الشعبية عموما. أعضاء “النخبة” يسمح لهم أن “يتسلوا”، فيهتفون ملء حناجرهم بسقوط مبارك ونظامه، بل ويتوعدونه بالـ”منصة” التي تنتظره، في إشارة واضحة لإغتيال سلفه السادات على منصة العرض العسكري. تضج نقابة المحامين (على ما أذكر) بالهتاف: “يا مبارك، يا مبارك، المنصة في انتظارك”، وبجواري الصديق الرائع الراحل رضوان الكاشف يعلق ساخرا: “كيف يمكنك أن تطلق هتافا كهذا بأي قدر من الجدية إلا وهناك كتيبة دبابات تنتظرك على الباب؟”).

أما الكادحون ومن هم خارج “النخبة” سواء “المثقفة” أو “الواصلة”، أي الأغلبية الساحقة للشعب، فلهم الله. يكفي لواحد منهم يمتلك قدرا من الكرامة الشخصية يزود عنها أن يصادف ضابطا أو أمين شرطة في شارع ما، لتقع الواقعة فينتهي به الأمر إلى التعذيب المتوحش بما قد يفضي، وكثيرا ما أفضى، إلى الموت، والإلقاء بجثة الضحية على قارعة الطريق. الإهانة والتعذيب وربما القتل مطلقة العقال للفقراء عامة: لأن هذا المواطن الفقير أو ذاك أثارت “سحنته” أو ملبسه أو مشيته أو طريقته في الحديث حفيظة “الباشا”، ثم هناك التعذيب المجاملة وبالواسطة. أحياء الفقراء وقراهم ونجوعهم سداح مداح لتجريدات لا تنتهي بسبب وبدون سبب، للبحث عن مشتبه فيه أو متهرب من التجنيد أو أي شخص يمكن “تلبيسه تهمة” ما في جريمة ما تسديدا للخانات، وإثباتا للهمة والنشاط، ومعها الإهانات والبطش العشوائي للسكان، رجالا ونساء وأطفال، تحطيم المنازل والممتلكات الشحيحة لمن لا يملكون غير أقل القليل، ويسرق منها ما تيسر.

والهدف في نهاية المطاف هو تكريس الخوف بين صفوف الفقراء. فغضب “النخبة” مقدور عليه (“وخليهم يتسلوا”)، أما الفقراء فغضبتهم ثورة.

لعله من الطبيعي أن يقدم نظام القمع الانتقائي هذا صيغة مثلى لتكريس وإعادة انتاج عزلة كل من الطرفين عن بعضهم البعض، لتبقى “النخبة” -مهما بلغ حسن النوايا ونبل الغرض بين صفوفها- تدور بلا طائل في طاحونة مجال سياسي مشروع ووهمي ومزيف، وتبقى الطبقات الشعبية مغتربة عنها، بل مندهشة وربما مستريبة من قدرتها البادية على سباب رئيس دولة يملك أحقر رجاله شأنا سلطة الحياة والموت على رقابها.

أما المظهر الثاني الجدير بالتوقف عنده إجلاءً لبعض الخصائص المميزة للكساد المباركي الكؤود فيمثل في الأطروحة التالية: في غياب السياسة ترتدي الصراعات السياسية شكل الصراعات الأيديولوجية؛ والأيديولوجيات المفتقدة للمجال الوحيد لاختبارها، ألا وهو مجال الممارسة السياسية، تتحول بدورها إلى عقائد دينية، فتختزل ما تبدو صراعات سياسية إلى صراعات أديان وشيع دينية، ومن خصائص التشيع الديني المزيد من التشيع حول صحيح الدين، ليجد المصريون أنفسهم أمام نزاعات ضارية بين الدين الليبرالي والدين القومي والدين اليساري -وبطبيعة الحال- الدين الاسلامي، وبالأحرى دين من نصبوا أنفسهم متحدثين رسميين باسمه، وكل دين بتشيعاته الأدنى، ولا علاقة لكل هذا الصخب بصراعات سياسية ملموسة على الأرض، ينخرط فيها الناس ويتعلمون في مجراها وفقا لمصالحهم وهمومهم وطموحاتهم وآمالهم في مستقبل أفضل. وكل المطلوب هو الانتقاء من بين البضائع الأيديولوجية المعروضة، راكدة، مجمدة، متكلسة في فترينة الانتماءات الأيديولوجية والهوياتية، تنتقي منها حسب ذوقك الخاص أو -في الأغلب الأعم- وفقا للشائع والمقبول بين الأقران والأصحاب.

(أقترحت هذه الفكرة منذ سنوات خلال ندوة لا أذكر مكانها أو زمنها بالضبط، وكان على يميني على المنصة قيادي إخواني، وأضفت: وإذا ما اختزل الصراع السياسي لصراعات أديان فمن الطبيعة أن تكون اليد الطولى لمن يتحدث باسم دين الله الحنيف، مشيرا بوجهي مداعبة للقيادي الإخواني بجواري، فأضحكته كثيرا وتواعدنا بعدها على اللقاء، ولم يتم، وأتمنى له السلامة أينما كان.)

أُميت المجال السياسي في بلادنا ورقد ميتا ثلاثين عاما ونيف، لينبعث متفجرا في 25 يناير 2011، ينفض عنه غبار القبر وينتفض واقفا ليعيد تأسيس مجالا سياسيا جديدا تمام الجدة، قوامه الأساسي كادحو المدن وفقراءها، ينمو ويتسع خلال 18 يوما ليصبح المجال السياسي الأرحب والأكثر اتساعا وعمقا واقداما وطموحا في تاريخنا الحديث كله.

انتفض فجأة ولم يأت بالتأكيد من فراغ، ولكن من ومضات مقاومة طبقية وسياسية تواصلت وتركت أثارها وأخذت تختمر تحت السطح الراكد الميت والمميت، من خارج المجال السياسي المزيف وعلى هوامشه، ولكن ما يهمنا ابرازه هنا هو اننا ولأول مرة في تاريخنا كله وجدنا أنفسنا إزاء ثورة شعبية كبرى هي، من حيث طبيعتها الجوهرية، ثورة معادية للرأسمالية، ثورة لا يمكن لها غير أن تضع نفسها استراتيجيا في صدام ضار وشامل مع البرجوازية المصرية قاطبة، بمختلف أجنحتها وكتلها وشقاقاتها وتشققاتها، بعلمانييها ودينييها، بمدنييها وعسكرييها، ولكنها، وبعد ثلاثين عاما من موت كل سياسة، لم تكن مؤهلة بعد لأن تدرك نفسها كذلك – وحين تفقد بوصلتك الاستراتيجية، يضيع التاكتيك في متاهات الأمزجة والانحيازات العشوائية، وتعلو الأوهام الأيديولوجية على مقتضيات السياسة العملية، وبدلا من أن توجيه كل ما تملك من عنفوان ثوري وبسالة منقطعة النظير لبناء القوة المستقلة المتمايزة للطبقات الشعبية، تكريسا وفرضا لإرادتها السياسية على البرجوازية بكافة أقسامها وانقساماتها، تتأرجح فيما بينهم، فتعجز حتى عن الاستفادة التاكتيكية من تناقضاتهم وارتباكاتهم وتخبطهم، بل وتستدرج وتتخبط قواك الحية في صراعاتهم هم، وأنت وقواك الحية هذه أول من يُضحى به في كل من صفقاتهم ومواجهتهم.

لست هنا بصدد تقديم قراءة نقدية للثورة المصرية على أية حال، (وهو أمر طالما دعوت اليه وفتحت “بالأحمر” صفحاتها لحوار موسع حوله). ما يهمني إبرازه في سياق نقاشنا الممتد هذا وفي ختامه، هو أن ثورة 25 يناير بلغت من القوة والعنفوان والبطولة ما وضعنا ولأول مرة منذ حريق القاهرة، قبلها بنحو ستين عاما، قاب قوسين أو أدنى من تأسيس مجال سياسي شرعي ومشروع، منفتحا على الطبقات الشعبية الثائرة ومفسحا لها للتعبير عن مطالبها الملحة وآمالها العريضة، وساعتها كانت البرجوازية المصرية بكل عفونتها وفسادها وجشعها وكراهيتها للديمقراطية وعزوفها عن السياسة، ستجبر عليها جبرا. لكن، وبعد ثلاثين سنة من موت كل سياسة في البلاد، لم تكن الثورة المصرية مستعدة بما يكفي، أو قادرة بعد على الوصول بمسعاها التاريخي العظيم لتحقيق حلقته الكبرى الأولى، ولا نقول منتهاه.

ذعر البرجوازية المصرية من الطبقات الشعبية صار مع الثورة فزعا مقيما، وقد هرعت الأغلبية الساحقة ممن تذمر منهم وداعبته احتمالات السياسة وداعبها، لإعلان توبة نصوحة، فهذا شعب متمرد جاحد لا يحكم بغير الحديد والنار.

لكن المجال السياسي الشعبي الجديد لم يمت، ولا هو قابل للتأميم أو المصادرة ولا للتجريف أو التبوير، ولم يعد هناك مجال لمجال سياسي مصادر أو مزيف، فلم يعد هناك صوت غير صوت الرصاص وسياط الجلادين.

المجال السياسي الذي ولد بطوليا شامخا في أتون الثورة المصرية لم يمت، بل يربض كامنا تحت السطح، قوامه مئات الآلاف من الشباب والفقراء والكادحين، تنبض قلوبهم بتوق لا يلين للحرية والعدالة الاجتماعية، يحفظون ذاكرة الثورة ويسترجعونها، ولعلهم يتدبرون أيضا في دروسها، ويترقبون ساعة النهوض الجديد.

 

You might also like